أفرأيتم الماء الذي تشربون

للاستماع إلى الخطبة باللغة العربية


To listen in English


اردو ميں سننے کے ليے


لتحميل الخطبة (Word)          لتحميل الخطبة (PDF)

لتحميل ترجمة الأردو (PDF)      لتحميل ترجمة الأردو المختصرة (PDF)

العلامات التوضيحية للأساليب الخطابية

لمشاهدة الخطبة بلغة الإشارة

لتحميل الخطبة بالإسبانية (Word)          لتحميل الخطبة بالإسبانية (PDF)

 

الخطبة الأولى

الحمد لله مجري السحاب، جعل نزول الماء آية لأولي الألباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شمل بكرمه جميع خلقه، ورزقهم بالماء من واسع فضله، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون* الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم).

أيها المؤمنون: يقول الله عز وجل: (أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون). ففي هذه الآيات الكريمة؛ يذكرنا ربنا سبحانه بنعمة عظيمة، وهي نعمة الماء العذب، الذي أذهب عنه الله تعالى ملوحته، وجعله سائغا للشاربين، فبالماء حياة كل الأشياء، ومنه أصل كل الأحياء، قال الله سبحانه: (والله خلق كل دابة من ماء) ، وقال تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي). ولا يعرف قدر الماء وقيمته إلا من فقده، فإن السيدة هاجر أم إسماعيل عليهما السلام، حين نفد ما معها من ماء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فوجدت الصفا أقرب جبل إليها، فصعدت عليه، ثم سعت سعي الإنسان المتعب، حتى أتت جبل المروة فصعدت عليه؛ وفعلت ذلك سبع مرات، حتى أكرمها الله تعالى بنبع الماء، فجعلت تغرف منه في سقائها؛ فرحة برزق ربها، شاكرة لخالقها، الذي جعل الماء لها ولولدها غذاء، وللحجاج من بعدهما سقاء، وكتب لمن تصدق به أجرا وجزاء. ومما يبين قيمة الماء؛ أن الله عز وجل جعله لسيدنا أيوب عليه السلام سببا للشفاء، فقال سبحانه له: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب). فضرب عليه السلام الأرض برجله، فنبعت منها عين ماء فاغتسل به، فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه.

أيها المقدرون لنعمة الماء: إن حاجة الناس إلى الماء عظيمة؛ لذلك فهم يتنافسون عليه، ويتحملون العناء والمشقة في سبيل الوصول إليه، فهذا سيدنا موسى عليه السلام؛ حين خرج من مصر وتوجه إلى ماء مدين؛ وجد عليه جماعة كثيرة العدد من أناس مختلفين، كل منهم يريد أن يأخذ الماء أولا، قال الله سبحانه: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير). فسقى موسى عليه السلام للمرأتين، فشهدت له إحداهما بالقوة والأمانة. وقد جعل ديننا الحنيف سقي الماء من أفضل الصدقات، فعن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء». وشكر الله عز وجل لرجل سقى كلبا شربة ماء، فغفر له وأدخله الجنة.

أيها المؤمنون: لقد دعانا ربنا عز وجل إلى التفكر في عظمة خلق الماء، وكيفية إنزاله من السماء، وما له من أثر طيب على الأرض وأهلها، وكل الكائنات فيها، فقال سبحانه: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون* ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون). نعم إن كيفية تكون الماء ونزوله؛ تحتاج منا إلى تفكر وتأمل؛ لندرك ما تدل عليه من دقة تدبير، وإحكام تقدير، قال العليم الخبير: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء). فالله تعالى سخر مخلوقاته لإنزال الماء؛ من شمس وبحار وهواء، وسحاب متراكم في السماء؛ لينزله إلينا عذبا فراتا، قال سبحانه: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا). فتسيل به الأودية، وتنتفع به البرية، قال سبحانه: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض). فيفرح الناس بالغيث، ويستبشروا به، وتبتهج قلوبهم، وتنشرح صدورهم، قال تعالى: (فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون)؛ وذلك لحاجتهم إليه، وعدم استغنائهم عنه، فأولى بهم أن يكونوا عليه محافظين، فإنهم عنه أمام الله محاسبون، قال تعالى: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)، قال العلماء: الماء من النعيم الذي يسأل عنه الإنسان يوم القيامة، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونرويك من الماء البارد». فما أجمل أن نشكر الله سبحانه على نعمة الماء، ونحمده تعالى عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها»، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا». ومن شكر نعمة الماء؛ الاقتصاد في استخدامه، والحكمة في استهلاكه، وترشيد استعماله، قال الله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). قال ابن عباس رضي الله عنهما: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب؛ ما لم يكن سرفا أو مخيلة، وقدم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنموذجا عمليا في الاقتصار على قدر الحاجة من الماء، فعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد. والصاع يعادل لترين، والمد قدر نصف لتر. فلنسأل أنفسنا؛ كم يستهلك الفرد منا في غسله ووضوئه؟ وأين نحن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي نبه أصحابه إلى ترشيد استهلاك الماء، ولو كان كثيرا وفيرا، فقد مر صلى الله عليه وسلم بسعد رضي الله عنه يوما وهو يتوضأ، فقال له: «ما هذا السرف؟». قال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: «نعم، وإن كنت على نهر جار». فقطرات من الماء نحافظ عليها ونوفرها؛ يمكن أن تسقي إنسانا، أو تروي نباتا، أو تنقذ حيوانا، فيكون لنا بذلك ثواب عظيم، وأجر كبير.

فاللهم اجعلنا لك شاكرين، ولنعمة الماء مقدرين، وبفضلك مقرين، ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك محمد الأمين، صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته عملا بقولك: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).    

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم،

فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه على نعمه، ونشكره على فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأذكركم بأن متوسط استهلاك الفرد اليومي من المياه في دولة الإمارات؛ يبلغ خمسمئة وخمسين لترا، وهو أعلى من المعدل العالمي بكثير، وإن القيادة الرشيدة، تبذل جهودا كبيرة؛ لتوفير المياه العذبة، بتحليتها من البحر، واستخراجها من جوف الأرض، وإنشاء السدود للمحافظة عليها، ثم إيصالها إلى البيوت والمنشآت بلا عناء، نظيفة نقية، بتكلفة رمزية، لا تقارن بالتكلفة الحقيقية، غايتها في ذلك أن ينعم مجتمعنا ويهنأ بنعمة الماء، وإن المحافظة على الماء مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، فواجب علينا أن نتحملها؛ بترشيد استهلاكه، والاقتصاد في استعماله، واستخدام الوسائل الحديثة التي توفره، سواء في الصناعة أو الزراعة، أو المرافق العامة، أو الاستخدام الشخصي أو المنزلي في البيوت، فإن الماء حق للجميع، وفي إهداره إضرار بالمجتمع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». فلنعلم بناتنا وأبناءنا أهمية الماء في الحياة، والطرق المثلى في استخدامه، فذلك من شكر نعمة الله تعالى القائل: (واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون).

هذا وصلوا وسلموا على خاتم النبيين والمرسلين، كما أمر رب العالمين، فقال في كتابه المبين: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك من الخيرات أوفرها، ومن العلوم أنفعها، ومن الأخلاق أكملها، ونسألك السعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة.

اللهم وفق رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد لما تحبه وترضاه، واشمل بتوفيقك نائبه وولي عهده الأمين، وإخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لوالدينا ولوالدي والدينا، وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم ارحم الشيخ زايد والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رضوانك، وأدخلهم بفضلك فسيح جناتك. اللهم أدم على دولة الإمارات نعمك، وجودك وفضلك، وبارك في خيراتها وأهلها، واجعلها دائما في سعادة، ومن الخير في زيادة.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك، أو وقف لك وقفا يعود نفعه على مريض أو يتيم، أو طالب علم أو مسكين، واحفظه في أهله وماله، وبارك له فيما رزقته، وأدخله الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأدخلهم الجنة مع الأخيار، واجز أهليهم جزاء الصابرين؛ بكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم انصر قوات التحالف العربي، وانشر الاستقرار والسلام في بلدان المسلمين، والعالم أجمعين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثا مغيثا هنيئا واسعا شاملا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار.

عباد الله: اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.

وأقم الصلاة.



عدد زيارات الصفحة: 1255812
آخر تحديث بتاريخ: 21 أغسطس 2017