تحريم الخمر في الإسلام

13 ديسمبر 2018
تحريم الخمر في الإسلام

هل صحيح أن الخمر ليس محرَّماً في القرآن الكريم وإنَّما هو منظم فقط؟ وهل صحيح أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك لم يحرِّمه وإنَّما تحريمه عبارة عن فكرة اخترعها الفقهاء؟ أفتونا في ذلك بارك الله فيكم.

الفتوى رقم:

96868

بارك الله فيكم، وحفظكم وأبعد عنَّا وعنكم كلَّ مكروه. وإنَّ تحريم الخمر من بديهيات أمور الدين المعلومة بالضرورة، وقد ثبت بالقرآن الكريم كما ثبت بالسنة النبوية وانعقد عليه إجماع علماء الأمة. وقبل سرد الأدلة التي استند إليها أهل العلم في تحريم الخمر، لا بد من التنبيه على أنَّ التشريع في الإسلام ينطلق من مصدرين أساسيين، هما: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وأنَّ كل ما ثبت بالسنة الصحيحة فهو ثابت بالقرآن الكريم، قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]. فالسنة بمثابة المذكِّرة المبينة للقرآن الكريم والشارحة له، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فلا تجد في القرآن أن صلاة الظهر أربع ركعات وصلاة الصبح ركعتين مثلاً، ولا تجد فيه أن الزكاة الواجب إخراجها هي ربع العشر (%2.5) إلى غير ذلك من الأحكام التي وردت في القرآن مجملة وبينتها السنة النبوية المطهرة، نعم ستجد فيه ذلك في الآية التي ذكرنا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. والصحابة والتابعون الذين نقلوا لنا السنة النبوية هم الذين نقلوا لنا القرآن، فالتشكيك في السنة تشكيك في القرآن، وبالتالي فهو تشكيك في دين الإسلام من أصله. ثم نرجع فنقول: استند أهل العلم في تحريم الخمر إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، فقد ثبت تحريم الخمر بالقرآن الكريم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90، 91]. وقد اتفقت كلمة المفسرين على أن هذه الآية قد حَرمت الخمر، بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرها بذلك؛ ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع". ولكن تحريم الخمر لم يأت دفعة واحدة وإنَّما جاء متدرجاً في شرعنا الإسلامي رفقاً بالناس واستئناساً لأنفسهم، لأنهم كانوا مولعين بشرب الخمر، فابتدأهم بآية سورة البقرة، ولم يسفههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك، بل أنبأهم بعذرهم في قوله: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها، ثم نزلت آية سورة النساء: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا أقيمت الصلاة - نادى: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، ثم نزلت: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} الدالة على تحريمها تحريماً باتاً، حيث حصر أمرها في أنها رجس من عمل الشيطان أي: قذر وخبث مستقذر من تزيين الشيطان، وأمر باجتنابها أمراً جازما في قوله: فاجتنبوه، واجتناب الشيء: هو التباعد عنه، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه. وعلق رجاء الفلاح على اجتنابها في قوله: لعلكم تفلحون، ويفهم منه أنه من لم يجتنبها لم يفلح، وهو كذلك، فصارت حراماً عليهم، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية: انتهينا. وأما السنة النبوية الصحيحة الثابتة: فقد وردت بتحريم الخمر في أحاديث كثيرة، منها ما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: "ألا إنَّ الخمر قد حرمت"، (صحيح البخاري) ومنها: "من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حُرِمها في الآخرة" (متفق عليه). ومنها: "كل شراب أسكر فهو حرام" (صحيح البخاري)، ومنها: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (صحيح مسلم). وقد ثبت علمياً خاصة في وقتنا المعاصر: أنَّ الخمر تسبب كثيراً من الأضرار الصحية على الكبد والقلب وغيرهما، فضلاً عما تسببه من المشاكل الاجتماعية. وننبه: إلى أن المسلم الحريص على دينه إذا أراد معرفة الحكم الشرعي في أمر ما فلا بدَّ أن يرجع إلى أهل التخصص، وخصوصاً إذا تعلق الأمر بتفسير القرآن الكريم، فلا يمكن للواحد منَّا اليوم أن يعتمد في فهمه للقرآن الكريم على مجرد كونه عربياً دون دراسته على أهل التخصص ودون الرجوع إليهم، فهذا أمر يرفضه الواقع كما يرفضه الشرع، ومن أوضح الأدلة على ذلك: أنَّ العربي غير المتخصص في اللغة - في عصرنا الحاضر - إذا قرأ القرآن سَتمر به عشرات بل مئات المفردات والجمل التي لن يتمكن من فهمها إلا إذا رجع إلى المفسرين، مع أنَّها بلسان عربي مبين، ولم يكن فهمها يشكل على العرب الذين كانوا موجودين زمن نزول القرآن حينما كانت لغة العرب وسليقتهم باقية على أصالتها لم تشبها شائبة، أما في العصور التي تلت ذلك فقد تغيرت لغة العربي وسليقته، وذلك راجع إلى أسباب وعوامل تاريخية معروفة من أهمها دخول أمم كثيرة من غير العرب في الإسلام حاملة معها موروثها اللغوي والفكري والثقافي وامتزاجها بالعرب وصيرورة الجميع أمة واحدة، فقد أدى ذلك إلى حدوث تغيرات كثيرات في اللغة العربية الجارية على ألسنة العرب فأهمل كثير من مفرداتها، وأدخلت إليها مفردات جديدة لم تكن من لغة العرب السالفين، كما أدى إلى تغير سليقة العربي عن طبيعتها، وهذا هو ما دعا أهل العلم إلى تدوين العلوم وتأليف الكتب في اللغة والبلاغة والأصول وغيرها من الفنون، فما بالك بعصر العولمة الذي نعيش فيه، والذي جعل العالم بمثابة المدينة الواحدة؟ فهل من المعقول أن أحدنا إذا احتاج إلى فهم مادة طبية أو قانونية مثلاً وكانت خارج مجال تخصصه يعتمد على نفسه ويقول إنه ليس بحاجة إلى متخصص يعتمد عليه في شرحها، ما دام عربياً والمادة مكتوبة باللغة العربية، أم إنه سيلجأ إلى مختص في ذلك المجال يعتمد عليه؟ فإذا كنا لا نطمئن في فهم مواد القوانين الوضعية والمواد الطبية وغيرهما من النصوص العلمية في مختلف المجالات إلا إذا رجعنا إلى المتخصصين، فكيف نقبل تفسير القرآن العظيم من غير المتخصصين فيه؟ وهل نشأ فكر التطرف والتكفير الذي يعاني منه المسلمون وغيرهم اليوم إلا من اعتماد غير المتخصصين على فهمهم القاصر في تفسير النصوص الشرعية دون الرجوع إلى تفسير وفهم الراسخين في العلم! وفقنا الله وإياكم لسلوك الصراط المستقيم، والله أعلم.

ملخص

تحريم الخمر من بديهيات أمور الدين المعلومة بالضرورة، وقد ثبت بالقرآن الكريم كما ثبت بالسنة النبوية وانعقد عليه إجماع علماء الأمة، والله تعالى أعلم.



عدد زيارات الصفحة: 709220
آخر تحديث بتاريخ: 19 أغسطس 2017