أرشيف الفتاوى



الفتوى رقم: 133632
هل يجوز للخطيب في خطبة الجمعة استخدام وسائل الإيضاح مثل آلة العرض أثناء الخطبة؟ وما الدليل؟(Projector)
فنسأل الله العلي القدير أن يحفظكم ويبارك فيكم، ولا مانع شرعا من استخدام وسائل إيضاح أثناء الخطبة ما دام ذلك منسجما مع ما وجه إليه الشرع من سنن وآداب متعلقة بالخطبة والتي من أهمها إقبال الإمام على المصلين بسكينة ووقار وإقبال المصلين عليه، ففي صحيح البخاري: ‌‌‌(باب: ‌يستقبل ‌الإمام ‌القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب). وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر ‌استقبلناه ‌بوجوهنا». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: (‌‌(قوله باب استقبال الناس الإمام إذا خطب: ... وهو مستحب عند الجمهور وفي وجه يجب جزم به أبو الطيب الطبري من الشافعية ... ومن حكمة استقبالهم للإمام ‌التهيؤ ‌لسماع ‌كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه كان أدعى لتفهم موعظته). والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 133082
ما حكم لعب الشطرنج إذا لم يكن يؤدي إلى ترك العبادات؟
فبارك الله تعالى فيك: لعب الشطرنج إذا خلا من القمار ونحوه من المحرمات ليس من المسائل المجمع على تحريمها بل اختلف العلماء السابقون - رحمهم الله - في ذلك وسبب خلافهم عدم وجود نص صريح صحيح قطعي فيها، فقد ورد ذكر الشطرنج في بعض الأحاديث ولكن نص جماعة من المحدثين والفقهاء على أنه لا يصح شيءٌ منها، يقول المنذري في الترغيب: (وقد ورد ذكر الشطرنج في أحاديث، لا أعلم لشيء منها إسناداً صحيحاً ولا حسناً) ولكونه ليس فيه دليل ينص عليه فقد اجتهد العلماء منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم في استنباط حكمه وطلبه في الصور القريبة منه، فاختلفوا في ذلك بين المانع والمبيح، فمن رأى أنه لا فائدة منه سوى إشغال الإنسان عما خلق له ذهب إلى منعه، وهو ما مال إليه غالب المالكية، وتعَلُّقُهم في ذلك بالوقائع والأحوال والضمائم المحيطة بهذه اللعبة، كما اعتبروا  في ذلك المروءات التي تقتضي التوقي عن بعض المباحات القادحة فيها لا سيما في حق ذوي العلم والدين، وتقدير ذلك كله مبني على الأعراف والعادات. وذهب السادة الشافعية إلى إباحته مع الكراهة. جاء ذلك في متن المنهاج للإمام النووي: "ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح، ويكره بشطرنج، فإن شرط فيه مال من الجانبين فقمار" ا.هـ . فالفقهاء المجيزون لها، ومنهم الشافعية رأوا منافعها وعوائدها المنمية لعقل الإنسان وتفكيره وخبرته، وأنها أداة تحقق مقاصد محمودة، وأساليب يدافع بها عن وطنه وأهله، إضافة لما تحققه من الترويح عن النفس وشحذ الذهن وملء الفراغ بالفائدة العائدة على الشخص بما ينفعه، يقول الفقيه الشافعي أبو إسحاق الشيرازي فيما نقله عنه القرافي في الذخيرة: (الشطرنج يقوي الفكر ويجبر الخاطر ويتعلم به القتال والكر والفر والهرب والطلب) وسماه بعض الفقهاء: "لب الرجال" وجعلوه معيناً على التعلم ودفع الملل). ففي أمر الشطرنج سعة وفسحة لاسيما في ضوء الأنظمة والهيئات التي تنظم هذه اللعبة وتشرف عليها وفق ضوابط واستراتيجيات وطنية لتكوين الأجيال وتربية الذكاء وتنمية قدراتهم العقلية، وإشغالهم بالأنشطة الملائمة التي تبعدهم عن الانحرافات الفكرية والسلوكية والعادات السيئة؛ وزرع الوطنية الصادقة فيهم. وإننا لننصح من يمارس هذه اللعبة بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وأن يتخلق بأخلاق الإسلام، ولا يفرِّط بسبب الإنشغال بها في حقوق نفسه وأهله. والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 131143
أعمل في شركة تجارية بالقسم الإداري في بعض الأحيان يطلب مني أمور خارجة عن اختصاصي بحكم علاقاتي الواسعة وعند ذلك أقوم بإحضار عروض أسعار للشركة بأقل من تلك التي في السوق ولكن مع نسبة لي لا تعلم بها الشركة هل هذه النسبة التي آخذها حلال أم حرام؟ على سبيل المثال تقدم للشركة عروض من شركات كهرباء بألفي دولار وواحد ب2500 دولار وأنا قدمت عرضاً ب1400 دولار لي منهم حوالي 200 دولار هل هذه النسبة حلال أم لا؟ مع العلم أن الراتب الذي أتقاضاه من الشركة ضئيل جداً لا يكفي أدنى مقومات الحياة على الرغم من إمكانات الشركة الكبيرة؟
فبارك الله تعالى فيك: الموظف مؤتمن على ترشيح أفضل عروض أسعار لشركته، بحيث يحقق مصلحة الشركة التي يعمل لأجلها ويأخذ منها راتباً مقابل ذلك. ولا يجوز للموظف في شركة يتقاضى راتباً من شركته أن يأخذ عمولة على جلب عروض أسعار أو مشاريع لشركته بدون علم الشركة؛ لما قد يتطرق إليها من التهمة والمحاباة، وربما يضطر صاحب المشروع إلى رفع السعر على الشركة أو عدم إعطائها الخصم المطلوب، كي يدفع عمولة الموظف. ولكن إذا أعطي الموظف هدية عن طيب نفس من صاحب المشروع، وبعلم شركته وموافقتها ورضاها، ولم يكن في الأمر محاباة أو استغلال، ودون أن يتسبب ذلك في الإضرار بعمل شركته، ولا يتنافى مع شروط عمله الحالي أو نظام العمل عموماً؛ فإن المؤمنين عند شروطهم، فيجوز عندئذ؛ لعدم ترتب محذور عليه، ولأنها بعلم شركته ورضاها، ويدل لذلك ما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال لا تصيبنَّ شيئاً بغير إذني فإنه غلول". والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 131178
ما هو نصاب الزكاة في الإمارات بالدرهم الإماراتي إذا تم النصاب في سنة 2019 مثلاً وفي نفس الموعد عام 2020 كان معي النصاب وأكثر من ذلك فهل أخرج الزكاة عن النصاب وحده في أول عام أم عن المجموع كامل. هل يمكن تأجيل إخراج الزكاة لشهر رمضان لنيل أجر مضاعف أم لا؟
فبارك الله تعالى فيك: اعلم أن قدر النصاب هو: (85) غراماً من الذهب من عيار 24 قيراط، وهو يساوي عشرون ديناراً شرعياً، ففي سنن أبي داود عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "... وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد، فبحساب ذلك".  وقيمة النصاب بالدرهم الإماراتي تختلف بحسب ارتفاع سعر الذهب ونزوله، فأسعار الذهب قد تختلف بشكل يومي في كثير من الأحيان، وهو أمر يمكنك الاطلاع عليه عن طريق سؤال أهل الذهب أو الدخول على شبكة الانترنت لتعرف قيمة (85) غراماً من الذهب بالعملة التي تريد زكاتها، والمعادلة التالية تسهل عليك حساب النصاب: النصاب = سعر جرام الذهب اليوم من عيار 24 مضروباً في 85 فالناتج هو مقدار النصاب. وأيسر طريقة لزكاة المبالغ التي تدخرها بأن تزكيها زكاة واحدة عندما يحول الحول على أول نصاب ملكته منها، حتى ولو لم يحل الحول على الجميع، فهذه الطريقة أضبط لحول الزكاة، وإن انتظرت حتى يحول الحول على كل مبلغ منها، وزكيته عند تمام حوله، فلا حرج في ذلك، فالأصل أن الزكاة لا تجب إلا عند حلول الحول، ولكن هذه الطريقة تحتاج إلى الضبط والتحري، لتعرف كل مبلغ حال عليه الحول فتزكيه لحوله من غير تأخير. وأما تأخير إخراج الزكاة بعد حلول الحول إلى شهر رمضان فلا يجوز، لأن الزكاة واجبة الإخراج على الفور، لأنها حق للفقراء والمساكين ونحوهم من المستحقين. والذي يترتب على تأخير الزكاة هو ضمانها في ذمة من أخرها، وحصول الإثم، قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله في كتابه المعونة في فقه عالم المدينة: (إذا أخر إخراج الزكاة عن وقت وجوبها قادرًا على إخراجها تعلقت بذمته ولم تسقط عنه بتلف ماله ... لأنه حبس الزكاة بعد وجوبها وقدرته على أدائها فوجب أن يضمنها، ... ولأنه عاص بتأخيرها، لأنها واجبة على الفور فإذا أخرها ضمنها وتعلقت بذمته). وقال النووي رحمه الله في المجموع: "إذا وجبت الزكاة وتمكن من إخراجها وجب الإخراج على الفور فإن أخرها أثم وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء ... ونقل أصحابنا عن أبي حنيفة أنها على التراخي وله التأخير ... دليلنا قوله تعالى {وآتو الزكاة} والأمر عندهم على الفور". ومقدار الزكاة ربع العشر، أي: 2.5% ويعرف هذا المقدار بقسمة المبلغ كاملاً على أربعين فالناتج هو مقدار الزكاة الواجب إخراجه. ففي سنن ابن ماجه من حديث أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هاتوا ربع العشر، من كل أربعين درهما درهما". والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 131132
أمي - رحمها الله - توفيت وتركت مبلغًا من المال، وأوصت أن يذهب كله لمصرف العلاج كصدقة جارية لعلاج أي فرد من العائلة، والورثة وافقو على ذلك وتنازلوا عن المبلغ لتنفيذ وصية الأم بذهاب المبلغ كله للعلاج، هل يجوز ذلك؟
بارك الله فيك ووفقك، ونسأل الله تعالى أن يرحم والدتك وأن يتقبل منها ومن ورثتها صالح عملهم: لا تصحُّ الوصية بأكثر من ثلث مال الموصي إلا بإذن ورثته، كما أنَّها لا تصح لأي أحد من ورثة الموصي إلا إذا وافق عليها أصحاب الحق في ميراثه، وما دام جميع ورثة الوالدة قد وافقوا على تنفيذ وصيتها على النحو الذي أوصت به فلا حرج في ذلك. جاء في كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة: (موضع الوصية الثلث، ولا يجوز الزيادة عليه إلا بإذن الورثة، وإنما قلنا إن له أن يوصي بالثلث لحديث سعد قال "جاءني صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله بلغ مني الوجع ما ترى، وأنا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي فقال لا، قلت فشطره، قال لا فقلت فالثلث قال: الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"... وإنما قلنا الزيادة جائزة عليه إذا أذن الورثة لأن المنع من ذلك لأجلهم لأن ما زاد عليه حق لهم فإذا أجازوه فقد أسقطوا حقوقهم فجاز... ولا تجوز الوصية لوارث من ثلث ولا غيره إلا بإذن باقي الورثة، والأصل في منعها قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"؛ ولأن ذلك تعدي ما حد الله تعالى ورسمه لأنه تعالى جعل لكل وارث قدرا معلوما من التركة، وإذا خص الميت بعضهم بزيادة على ذلك كان كأنه يعطيه من حق غيره، فإذا لم يجيزوا رجعت ميراثا لأنه لا يجوز أن ينفرد بها بعضهم.... إنما قلنا أنها تجوز بإجازة الورثة، خلافا لمن منع ذلك لأن المنع لحقوقهم فإذا أجازوه فقد تركوا حقوقهم فيجب جوازه). والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 131118
كان هناك خلاف بيني و بين زوجتي فطلقتها الطلقة الأولى، وبعد أيام أرجعتها إلى ذمتي مع وجود رسالة نصية كدليل، ولكن لم أعاشرها لأنَّ الخلاف لا زال موجودًا، هل هي على ذمتي لحدِّ الآن؟
فبارك الله فيك ووفقك لإنهاء الخلاف مع زوجتك وأصلح ما بينكما وأبدلكما بالسكينة والرحمة: ارتجاع المطلقة بالنية يعتبر رجعة صحيحة؛ فالنية كافية في الرجعة والكتابة زيادة توثق تثبت صحة الارتجاع، قال الشيخ ابن رشد في «المقدمات الممهدات»: «والصحيح أنَّ الرجعة ‌تصح ‌بمجرد ‌النية؛ لأنَّ اللفظ إنَّما هو عبارة عما في النفس. فإذا نوى في نفسه أنه قد راجعها واعتقد ذلك في ضميره فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى». وقد اشترط قانون الأحوال الشخصية الإماراتي لصحة الرجعة توثيقها؛ ففي المادة 109 منه: تقع الرجعة باللفظ، أو بالكتابة، وعند العجز عنهما فبالإشارة المفهومة كما تقع بالفعل مع النية، توثق الرجعة ويجب إعلام الزوجة بها خلال فترة العدة.  كما جاء في المذكرة الإيضاحية له: (تقع الرجعة بالقول أو ما يقوم مقامه من الكتابة المستبينة والإشارة المفهومة حين العجز عن اللفظ والكتابة، كما تقع بالفعل مع النية وبه قال الحنفية والحنابلة، وجمهور الفقهاء قرر استحباب الإشهاد على الرجعة وإعلام الزوجة بها في الحال إذا حصلت في غيبتها. فقد قررت الفقرة (2) منها ضرورة توثيق الرجعة وإعلام الزوجة كي لايترتب على عدم علمها إشكالات كالزواج من آخر بعد انتهاء العدة وما أشبه ذلك، أخذاً بالمذهب الشافعي في قوله القديم ورواية عن أحمد وقول عند المالكية بوجوب الإشهاد عند المراجعة.وقد يترتب الخلاف في أصل وقوعها إذ تنكر الزوجة الرجعة بعد ادّعائها من المطلق.وقد يكون الخلاف حول انتهاء العدة أثناء الرجعة أو عدم انتهائها أو عن الصيغة التي تمت بها.كل ذلك متروك للقاضي الذي يوثقها إذ لا يوثقها إلا بعد التثبت من وقوعها فعلاً مستوفية لشروطها.وحتى لا تبقى الزوجة جاهلة في أمر يخصها، ويدعي الزوج الرجعة فيما بعد، فقد اشترط القانون إعلام الزوجة بالرجعة خلال فترة العدة، وجعل الإعلام وجوبياً، لا يقبل الادعاء بخلاف بعد انقضاء العدة، حتى لا تبقى الزوجة أسيرة للزوج دون ضابط أو قيد). والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 131131
هل تداول عملة البتكوين أو غيرها من العملات الرقمية جائز شرعاً وما الضوابط الواجب توفرها لتداول هذه العملات إن كان ذلك جائز شرعاً؟
فبارك الله تعالى فيك: لا تجوز المتاجرة بالعملاتِ الرقمية الافتراضية مثل البتكوين نظرًا لجهل الجهة المصدرة لها، ولمحدودية الاعتراف بها، ولما قد يترتب على تداولها من المفاسد وإضاعة الأموال، ولصعوبة الحكم على طبيعتها. ومن الشروط الأساسية - في الشرع والقانون - لاعتبار الشيء عملة نقدية، هو: أن تعتمد الدولة ذلك رسمياً؛ وهو ما يعبر عنه عند الفقهاء: بسك النقود. جاء في الأحكام السلطانية عن الإمام أحمد أنه قال: (لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب، بإذن السلطان؛ لأن الناس إن رُخص لهم ركبوا العظائم). وبما أن البيتكوين ونحوها عملة رقمية افتراضية، ولا يوجد لها أصول ولا أرصدة حقيقية، وليس لها ارتباط بالمؤسسات المالية الرسمية، ولا المصارف ونحوها؛ والجهالة تحيط بها من كل جانب، فهي تعتمد على التشفير التام، ولا تحميها أية ضوابط أو قوانين مالية، ولا تخضع لسلطة رقابية، وقد ترتفع ارتفاعات مهولة أو تنخفض انخفاضات حادة، مما يعرضها للتلف والضياع. بالإضافة إلى أن البيتكوين تُلحق الضرر باقتصاد الدول، فالتعامل بها يسهل التجارات المحظورة، وغسيل الأموال، والتحويلات المالية المشبوهة؛ والضرر ممنوع؛ ففي الحديث الذي أخرجه الإمام احمد في المسند: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وعليه: فلا يجوز التعامل بهذه العملة، والتكسب منها، لما فيها من الغرر الذي يشبه غرر المقامرة المحرمة إجماعاً؛ ولما يؤدي إليه التعامل فيها من ضياع حقوق كثير من الناس، وأكل أموالهم بالباطل، وقد صح: أن من أوائل ما يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة ماله: "من أين اكتسبه وفيم أنفقه" رواه الترمذي. مع الإشارة إلى أنه إذا اعترفت بها الدول في المستقبل وأصبح لها تشريعات واضحة تحفظ حقوق المتعاملين بها وتزيل عنهم الإبهام والمخاطر المحيطة بها فعندئذ يختلف حكم التعامل بها. والله تعالى أعلم.
الفتوى رقم: 131085
قد علمت أنه لا يجب الاستماع للقرآن بالمقامات الصوتية فبدأت بالبحث عن شيوخ يقرؤون بطريقة عادية فذهبت للشيوخ الكبار القدماء مثل المنشاوي وعبد الباسط والحصري وبدأت اسمع لمصاحفهم المجودة وبعض المحافل لهم لكن وجدت خلاف بعضهم يقول أنهم تعلموا المقامات وأنه يقرأ في هذه السورة بمقام كذا وكذا وبعضهم يقول إنهم لم يتعلموها البتة وقد أشكل علي هذا لأني لم أعد أعرف استمع لأي قارئ لأني دائماً أجد هذا الخلاف وقلما أجد قارئاً لا يقرأ بالمقامات فما توجيهات حضراتكم في هذا؟
فبارك الله تعالى فيك:  واعلم أنه قد أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، لأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استماع القرآن الكريم. ولا بأس بسماع القرآن الكريم بالمقامات العربية بشرط ألا يتعارض التنغيم مع وقار القرآن وجلاله ومع الخشوع والأدب معه والتدبر والتفكر في آياته العظيمة، وألا يقرأ على صفة المغنين، وألا يطغى المقام على صحة الأداء ولا على سلامة أحكام التجويد. وإن المقصد من تحسين الصوت بالقراءة، تدبر الآيات والعمل بها، مع إخراج الحروف سليمة من مخارجها، دون تقعر أو تمطيط، ومع تطبيق أحكام التجويد ومراعاة الوقوف والمدود، لأن الصوت الحسن يزيد في جمال القرآن، وله أثر في نفس الإنسان، وقد استمع النبي عليه الصلاة والسلام إلى قراءة بعض أصحابه، فأعجب بحسن صوته حتى قال لأبي موسى الأشعري: "لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود"، رواه البخاري ومسلم، قال العلماء: "المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن"، وعن البراء رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه"، رواه البخاري ومسلم. وأما تلاوة القرآن الكريم بالنغمات والمقامات العربية، مع الالتزام بأحكام التلاوة والتجويد فقد كرهه بعض الفقهاء وأجازه آخرون: فقد ذهب السادة المالكية وبعض الحنابلة إلى كراهة قراءة القرآن بالألحان - أي المقامات الصوتية - التي يتم فيها ترجيع القراءة كترجيع الغناء، ولو لم يخل القارئ بقواعد التجويد وأحكام التلاوة، قال العلامة محمد عليش المالكي في منح الجليل شرح مختصر خليل: "تكره الإجارة على تعليم  قراءة  قرآن بلحن ... أي تطريب وهو تقطيع الصوت بالأنغام على حده المعروف في الموسيقى، ومحل الكراهة ما لم يخرجه عن كونه قرآنا كالغناء فيحرم حينئذ .... وكره مالك قراءة القرآن بالألحان، فكيف بالتغني". قال العلامة النفراوي رحمه الله تعالى في الفواكه الدواني: "ولا يحل لك أيضاً قراءة شيء من القرآن باللحون المرجعة أي الأصوات التي يرجعها القارئ، كترجيع الغناء والمراد بعدم الحل الكراهة إلا أن يخرجه الترجيع عن حد القراءة، كقصر الممدود ومد المقصور، وكما لا تحل القراءة على الوجه المذكور لا يحل سماعها، لأن القرآن يطلب تنزيهه عن الزيادة والنقصان، وأما قراءة القرآن بالصوت الحسن مع النغمات المعروفة بنحو عشاق مع تجويده على الوجه المشروع فلا حرج فيه، بل يكسب السامع الخشوع والاتعاظ بكلمات القرآن.... ".  قال العلامة ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه الإمام أحمد: "القراءة بالألحان، قال القاضي: هي مكروهة، وقال غيره: إن أفرط فيها، فأشبع الحركات، حتى صارت الفتحة ألفاً، والضمة واواً، والكسرة ياء حرم، لما فيه من تغيير القرآن، وإن لم يكن كذلك فلا بأس به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ ورجَّع، وقال: ما أذن الله لشيء، كإذنه لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به ... وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إلى أبي موسى وقال: "لقد أوتيت مزماراً، من مزامير آل داود فقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع، لحبرته لك تحبيراً". وذهب السادة الحنفية والشافعية إلى جواز قراءة القرآن الكريم بالألحان والمقامات، بشرط التقيد والالتزام بأحكام التلاوة والتجويد، وعدم إسقاط شيء من الحروف، أو الإفراط في الغنن والمدود، وإلا صار حراماً يأثم فاعله، لأنه عدل به عن نهجه القويم، جاء في فتح القدير في الفقه الحنفي: (وأما القراءة بالألحان فأباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان لا تخرج الحروف عن نظمها وقدر ذواتها فمباح، وإلا فغير مباح). وجاء في تحفة المحتاج شرح المنهاج في الفقه الشافعي: (ولا - أي لا بأس - بقراءته بالألحان إن لم يفرط فإن أفرط في المد والإشباع حتى ولّد حروفاً من الحركات فتولد من الفتحة ألف ومن الضمة واو ومن الكسرة ياء أو أدغم في غير موضع الإدغام أو أسقط حروفاً حرم ويفسق به القارئ، ويأثم المستمع ويسن ترتيل القراءة، وتدبرها والبكاء عندها). وقد اتفق الفقهاء على حرمة قراءة القرآن بالأنغام، التي لا تراعى فيها أحكام التجويد، كمدّ المقصور، وقصر الممدود، وترقيق المفخّم، وتفخيم المرقق، وإظهار ما ينبغي إدغامه، وإخفاء ما ينبغي إظهاره، والتي فيها مجاراة لأهل الغناء في غنائهم من التمطيط، والترعيد، والترجيف، والترقيص، والهذرمة، وهذَّ القرآن كهذ الشعر والميلان والمبالغة في المدود بما يخرج القراءة عن شرط الأداء المعتبر عند علماء التجويد والقراءات والتي يكون الغرض منها (التطريب) وإظهار جمال الصوت فحسب، بحيث لا يكون همُّ القارئ سوى الانتقال من هذا اللحن إلى ذاك دون تقيّد بالأحكام وآداب التلاوة، حتى يصير التلذذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن. وينبغي أن يكون القارئ عند القراءة مرتلاً متخشعاً ليعظم موقعه من القلوب، وتستميل مواعظه النفوس، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله)) أخرجه ابن ماجه. والله تعالى أعلم.

صفحة 1 من 25 في السجلات 200



عدد زيارات الصفحة: 72627
آخر تحديث بتاريخ: 19 أغسطس 2017