جيل العلم والأخلاق

تاريخ النشر: 15-03-2017

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الكريم المنان، هدانا لدين يحث على الرقي بالإنسان، والتطلع إلى ما فيه الخير للأوطان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

أيها المصلون: إن الأمم المتحضرة، والشعوب الراقية، هي من تكرس اهتمامها لصناعة المستقبل، وقد دأب الأنبياء والعلماء والحكماء على التخطيط لمستقبل أجيالهم، وانطلقوا يلتمسون حاجات مجتمعاتهم؛ فهذا أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام يدعو ربه سبحانه؛ لتنعم ذريته ووطنه بمستقبل مزدهر مستقر، قال تعالى:( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات). وهذا سيدنا يوسف عليه السلام استعان بما آتاه الله تعالى من علم وحكمة للتخطيط لمستقبل وطنه؛ بإعداد الموازنة المستقبلية، والأخذ بمسلك التوازن بين مستلزمات الحاضر ومتطلبات المستقبل؛ فـ:( قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون). فتجاوز يوسف عليه السلام المحنة، وتخطى الأزمة، وطلب سيدنا زكريا عليه السلام من ربه أن يستمر العلم والحكمة في مستقبل ذريته ( قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا* وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا* يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا).

وقد اهتم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الجانب، فأمر بالنظر إلى عواقب الأمور وتقديرها، والتخطيط لها، فلما أراد الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يوصي بجميع ماله منعه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له:« إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». فوجهه صلى الله عليه وسلم إلى النظر في مستقبل أولاده؛ ليترك لهم ما يعينهم على العيش، فالتخطيط لمستقبل أبنائنا، وتجهيزهم للمراتب العليا، وتحفيز هممهم إلى تبوإ مراقي الأمور ومعاليها؛ مما يحبه الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها». وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسعى لبلوغ القمة فقال صلى الله عليه وسلم :« فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس». وهكذا يجب أن يسعى الشباب لبلوغ القمة في أمور الدنيا والآخرة.

أيها المؤمنون: إن الشباب هم الثروة الحقيقية للأوطان، ومعقد الآمال، ومحط التطلعات، وحملة الأمانة، وبناة المستقبل، فالأوطان تبنى بعقول أبنائها، وسواعد أجيالها، وهم سر نجاحها وتفوقها، وما ارتقى وطن وتقدم إلا بتأهيل جيل يحمل على عاتقه راية المسؤولية، ويدرك حجم التحدي والمنافسة، لاستكمال البناء الحضاري، متحصنا بالعلوم الحديثة والتقنيات المتطورة، فالعلم خير ما يدخره المرء من حاضره لمستقبله، وهو حياة للناس، ونور يضيء لهم مستقبلهم، قال تعالى:( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها).

فبالعلم تحيا الأمم، وتعلو منزلتها، ويرتفع شأنها، وتتبوأ الريادة والقيادة في السباق الحضاري، وما كان الأنبياء عليهم السلام ليقودوا أقوامهم ويهدوهم إلى سواء السبيل إلا بعد أن من الله تعالى عليهم بالعلم فقال سبحانه عن يوسف عليه السلام:( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين). وقال تعالى عن موسى عليه السلام:( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين). وقال عز وجل عن داود وسليمان عليهما السلام:( وكلا آتينا حكما وعلما). وقال سبحانه عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما). فالعلم نعمة عظيمة امتن الله تعالى بها على رسله وأنبيائه، وعباده وأوليائه، والذين يسارعون إلى اكتساب المعارف والعلوم الحديثة المتطورة لهم أجرهم عند ربهم، ويفرح بهم وطنهم، فهم يساهمون بفاعلية وإيجابية في كل مجال يعزز رفعته، ويدعم تقدمه، ويبذلون في طلب العلم جهدهم؛ حتى يظل الوطن سباقا إلى كل تقدم، لا توقفهم العقبات، ولا تعوقهم الصعوبات، بل يعدون التحديات فرصا لاختبار طاقاتهم، وصقل خبراتهم.

عباد الله: إن الأخلاق زينة العلم وبهاؤه، وجوهر الإنسان وجماله، وهي الحصن الحصين الذي يحمي الأجيال من تبدل عاداتهم وتقاليدهم، فمن حقوق الوطن على أجيال المستقبل أن تتمسك بمبادئ ديننا السمحة، وبتقاليدنا الأصيلة، وعاداتنا الجميلة، وأخلاقنا النبيلة، حتى يفوزوا بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرب منه؛ قال صلى الله عليه وسلم :« ألا أحدثكم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟». قلنا: بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم :«أحسنكم أخلاقا». ويكون شبابنا بحسن أخلاقهم خير سفراء لوطننا، فهم يدركون أن الوطن أمانة شريفة وعظيمة، ولابد من الوفاء لها وحفظها، والقيام بحقها، ومعرفة قدرها، قال تعالى:( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). ويستوي في مسيرة صناعة الأجيال الرجل والمرأة، فكل منهما في سعيه مشكور، وفي ميدان العمل والتعليم مأجور بمقدار كفاءته، وما يسديه لوطنه من العلم النافع والحياة الطيبة.

فاللهم اجعلنا قائمين بحقوق الوطن، حاملين رايته، حافظين لأمانته، ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل.

أيها المصلون: لقد حمل أمانة هذا الوطن الكريم جيل القادة المؤسسين في وسط صعوبات وتحديات، فاستعانوا بالله تعالى وتوكلوا عليه:( ومن يتوكل على الله فهو حسبه). فوفقهم الله سبحانه بحسن نياتهم وصدق عزيمتهم، فحققوا طموحات شعبهم، وخطوا بالوطن خطوات سريعة على طريق التقدم، وأثبتوا أن المستحيل هو وجهة نظر، وحولوا التحديات إلى محفزات للهمم، فاعتنوا بحضارة الإنسان، وشيدوا صروح البنيان، فأدوا واجبهم، ثم أفضوا إلى بارئهم، ترافقهم رحمات خالقهم، ودعوات شعبهم، وتركوا جميل سيرتهم، وعظيم أعمالهم وإنجازاتهم. كما أدى الشهداء حق وطنهم، وجادوا بأنفسهم حفاظا على عزته وكرامته، وبذلوا أرواحهم الزكية في سبيل الله ( والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم* سيهديهم ويصلح بالهم* ويدخلهم الجنة عرفها لهم). وغدت تضحياتهم مصدر فخر لأجيال المستقبل، يستلهمون منها المثل والقدوة في بذل الوسع لرفعة الوطن والحفاظ على مقدراته ومكتسباته، وما أنجب هؤلاء الأبطال إلا آباء وأمهات عظام، لتضحياتهم منا كل إكبار وإجلال وتقدير.

فهل نربي بناتنا وأبناءنا على حمل أمانة الوطن، والتزود بالعلم والتحلي بالأخلاق والقيم النبيلة؟

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وخلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم زينا بالعلم والأخلاق، ووفقنا لحسن القول والعمل، وأنر حاضرنا ومستقبلنا بكل خير يا رب العالمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم.

اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء يا أكرم الأكرمين.

اللهم انشر الاستقرار والسلام في بلدان المسلمين والعالم أجمعين. اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ونسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).