أرشيف الأخبار

تاريخ النشر: 21-12-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

التحالف الإسلامي ضد الإرهاب

التحالف الإسلامي ضد الإرهاب

مما بات يؤرق العالم أجمع ، هذا الإرهاب الذي أضحى يجتاح الجغرافيا الإنسانية قاطبة , و ينذر بعواقب تؤجج التمايز الحضاري بين الأمم و الشعوب , ليس له دين و لا عرق و لا مذهب و لا حضارة محددة .
و هو بالأصل نتاج حجم الفراغ ما بين بعض الحكومات العربية وشعوبها ـ كما يرى صاحب السمو محمد بن راشد  
وليس عدلا ولا صحيحا أن الدين الإسلامي , مصدر من مصادر هذا الوباء ، بل هو الدين السماوي المنفتح على جميع الأمم و الحضارات و العلوم و الفنون و المعتقدات على مدى تاريخ السيرورة التاريخية لتطور الحياة و المجتمعات في كل القارات .
و من هنا تنادى كثير من العقلاء والمفكرين و من بضع سنوات للتقدم برؤية شمولية لتحصين المجتمعات من هذا الوباء المستطير , و التصدي له و تجفيف منابعه الفكرية و المنهجية , وإدانة الحوادث الإجرامية ، من خلال توضيح الصور الناصعة لديننا الحنيف و نقد أباطيل المفسدين في الأرض , و ببناء التحالفات الإقليمية و الدولية للقضاء على الإرهاب , و احتواء آثاره على المجتمعات , و تواصل الحضارات بالتعايش الإنساني البناء بين جميع أطياف الوطن الواحد و مكوناته, و من ثم بين الدول و المجتمعات كافة .
و نجحنا في دولة الإمارات العربية المتحدة بحمد الله , ثم بدعم قيادتنا الرشيدة في تبني منهجية الوسطية و الاعتدال و التسامح , و البناء على هذه المنهجية الإسلامية الأصيلة , فحققت دولة الإمارات و عبر مؤسساتها الدينية و التعليمية و الثقافية و الإعلامية أعلى نتائج التأمين و الأمان للوطن و أبنائه و منجزاته و طموحاته , بيد أن مخاطر الفضاء الإلكتروني المفتوح ما زالت قائمة لاجتذاب و تجنيد الأتباع لداعش و أخواتها من الفرق و الأحزاب و التيارات التي تهدم حدود ا لدول , و تعبث بالمقدسات و المنجزات و كرامة الأوطان , و ليست خلية المنارة التي رصدتها و تابعتها الأعين التي لا تنام , و أحضرتها لقضائنا العادل , إلا شرارة من تلك النيران المشتعلة في الإقليم .
و لذا كان لابد من التنادي لجهد جماعي دولي و تحالف إقليمي و عالمي , للتعاون و التنسيق من أجل درء مخاطر الإرهاب العابر للحدود و القارات , و تحجيمه بل القضاء عليه في بؤره و مخابئه السرية و العلنية , الفكرية الضلالية , و العملية العبثية ...
و لعل من المبشرات التي لاح في الأفق سناها , و نتوقع لها أن تثمر الاستقرار و الرخاء , و تفرّج الكروب عن الشعوب , هو هذا التحرك الإقليمي العربي الإسلامي تحديداً في كل من الرياض و القاهرة و دبي في أسبوع واحد من هذا الشهر و قبل أن يطوي هذا العام 2015م أوراقه المأساوية لاستقبال عام جديد أكثر تفاؤلا و استقراراً و وئاماً إن شاء الله .
- ففي الرياض أعلن يوم الثلاثاء 15/12/2015م عن تشكيل تحالف إسلامي عسكري نرجو أن يكون الرد العملي البارز على دعاة العنصرية وثقافة صراع الحضارات ، وكل من يتهم القيم الإسلامية وينشر الكراهية ضد المسلمين .
و يضم هذا التحالف 35 دولة ، منها دولة الإمارات العربية المتحدة ، والمتوقع أن ينضم إلى هذا التحالف الجديد عدد كبير من الدول الإسلامية ، وقررت الدول الموقعة على البيان تأسيس مركز عمليات مشتركة ، مقره الرياض ، لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب ، وجاء في البيان : أن تشكيل التحالف كان "انطلاقاً من التوجيه الرباني الكريم: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ، ومن تعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء وأحكامها التي تحرّم الإرهاب بجميع صوره وأشكاله، لكونه جريمة نكراء وظلما تأباه جميع الأديان السماوية والفطرة الإنسانية". .
لقد أعلن قاد ة المسلمين في تحالفهم الأحدث ، الأهداف التي نص عليها بيانهم وهي أن "الإرهاب وجرائمه الوحشية من إفساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل المحرم شرعاً ، يشكل انتهاكاً خطيراً لكرامة الإنسان وحقوقه، ولاسيما الحق في الحياة ، والحق في الأمن، ويعرّض مصالح الدول والمجتمعات للخطر ويهدد استقرارها .
وهذا هو التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر علماء السيرة النبوية أن حربا دامية وقعت بين قريش ومن معها من كنانة ، وبين قيس عيلان ، وكان عمر رسول الله يومئذ خمسة عشر عاما فحضرها يجهز لعمومته النبال ، وسميت حرب الفجار، لانتهاك حرمات الحرم والأشهر الحرم ، وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في شهر ذي القعدة من الأشهر الحرم ، تداعت إليه قبائل من قريش فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها ومن غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه ، وشهد هذا الحلف رسول الله ، ثم قال بعد أن أكرمه الله بالرسالة :
" لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ، ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أُدعَى به في الإسلام لأجبت " .
هذا هو نهج رسول الرحمة والسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي علينا إبرازه مجددا .
- وفي القاهرة أعلن في اليوم نفسه عن تحالف عالمي من نوع آخر ، لايقل أهمية عن التحالف العسكري ، بل هو تمهيد استباقي له ، في الفكر والفتوى فقد تم تدشين أول تجمع لدور الإفتاء وهيئاته في العالم تحت مظلة دار الإفتاء المصرية لمواجهة فوضى الفتاوى والتطرف والإرهاب ، وهذا التجمع العالمي سيتيح تبادل الخبرات العلمية والعملية والتنظيمية بين الأعضاء لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي ، والمنفتحة على تطور الفقه الإسلامي كما أعلن عن ذلك من قبل .
- وفي دبي انطلق المنتدى الاستراتيجي لاستشراف المستقبل ، و قد حضره نخبة من قادة الرأي و الخبراء من كل أنحاء العالم بهدف قراءة الأحداث الجيوسياسية و الاقتصادية التي شهدتها دول العالم و المنطقة العربية و تحليل مسار الأحداث وصولاً إلى استشراف حالة العالم في 2016م حيث ألقى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ، نائب رئيس الدولة ، رئيس مجلس الوزراء ، حاكم دبي ـ رعاه الله ـ كلمة ذكَّر في مستهلها بما قاله عام 2004م في بداية انطلاق المنتدى الاستراتيجي لاستشراف المستقبل ، وأعاد التذكير به يوم 14l12l2015حيث قال سموه : " عبّرنا آنذاك عن أهمية قيام القادة بالتغيير ، تجنبا لثورات الشعوب ، وحذرنا من هيمنة صراع الحضارات وتصاعد نزعات الكراهية والعداء على قاعدة الاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية ، واليوم نرى نتائج ذلك من ثورات وصراعات لا تشترك في أمر إلا في أنها صراعات بين الحضارة الإنسانية بمجملها ، وبين أعداء هذه الحضارة .." ثم بيّن سموه أن " المدخل إلى هزيمة قوى الشر والدمار هو نزع أي صفة حضارية أو عقائدية أو عرقية عنها " .
كل هذا الحراك العربي والإسلامي قد جاء تتويجا لبناء عالم جديد تنتفي منه حالة هذه الفوضى غير البناءة ونحن نستقبل عاما جديدا إن شاء الله .
- هذا بالإضافة إلى الطموحات و الآمال الكبيرة الموضوعة أمام منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ، والذي يتخذ من أبو ظبي مقراً له .