أرشيف الأخبار

تاريخ النشر: 14-02-2009

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

جهود حثيثة لتطوير رسالة المسجد

جهود حثيثة لتطوير رسالة المسجد

بقلم سعادة الدكتور :/حمدان بن مسلم المزروعي

رئيس الهيئــة العامــة للشؤون الإسلاميــة والأوقاف

جهود حثيثة لتطوير رسالة المسجدلقد حددت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف منذ إنشائها في شهر أكتوبر من عام 2006 م رؤيتها في أن تكون هيئة رائدة في توعية المجتمع وفق تعاليم الإسلام السمحة التي تدرك الواقع وتتفهم المستقبل. ويشرف على تحقيق ذلك مجلس إدارة الهيئة الممثل من إمارات الدولة بأعضاء معروفين يتميزون بالكفاءة والخبرة والدراية الذين يجتمعون شهريا لدراسة برامج الهيئة ومشاريعها وبحثها والتشاور فيها وإقرارها ووضع الخطط الكفيلة بتنفيذها .

وتحقيقاً لهذه الرؤية فقد قامت الهيئة بالعديد من الإنجازات الملموسة على أرض الواقع سبقت مثيلاتها في الدول العربية والإسلامية، وذلك في مجالات متعددة.

ومن أهمها تطوير رسالة المسجد في المجتمع، حيث تقوم الهيئة بالإشراف على (5000) مسجدا في إمارات الدولة، فبدأت بالعاملين بالمساجد فنظمت اجتماعات شهرية مع أئمة المساجد لتقوم بتوجيههم شرعيا وإداريا ومن أهمها ضرورة العناية ببيوت الله تعالى وحسن التعامل مع رواد المساجد، وتشجيعهم على الظهور بالشكل اللائق من خلال الالتزام بزي العلماء الذي يظهر وقار وسمت أئمة المساجد حيث تميزوا به عن غيرهم وتوفره لهم الهيئة مجانا، كما عملت على تأهيلهم من خلال الدورات العلمية لتنمية مهاراتهم، واهتمت بتشجيع المواطنين للعمل في إمامة المساجد وخصصت لهم المكافآت المشجعة حسب مؤهلاتهم العلمية، وعقدت لهم دورات التأهيل المختلفة فانضم عدد كبير منهم للعمل في مساجد الدولة وفق خطة طموحة تنتهجها الهيئة.

كما اهتمت بخطبة الجمعة فقامت بتوحيدها على مستوى الدولة وشكلت اللجان العلمية من عدد من الخطباء المتميزين في مكاتب الهيئة بمختلف إمارات الدولة والتي تقوم بإعداد الخطب بدقة شرعية متناهية مع مراعاة مصلحة المجتمع ومعالجة القضايا التي تهمه بدلاً من ترك الأمور لاجتهادات شخصية قد تعرض المجتمع للأفكار الهدامة، وحثت الخطباء على حسن اداء الخطب والتأسي بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في أسلوب الإلقاء ووقت الخطبة وحمل العصا في أثناء الخطبة كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كما عقدت دورات عدة للارتقاء بمستواهم الخطابي، وقامت بالتنسيق مع الجهات المختلفة ليتم نقل خطبة الجمعة مباشرة في جميع وسائل الإعلام المحلية – إذاعة وتلفزيون- من مسجد واحد بالتناوب بين جميع إمارات الدولة.

كما قامت بتطبيق الأذان الموحد حياً على الهواء مباشرة في كل صلاة من احد المساجد الرئيسية بأصوات ندية تم اختيارهم بعناية ويتم استقبالها في باقي المساجد عبر الأقمار الصناعية، وقد تم تركيب هذا النظام حتى هذا اليوم في العاصمة أبوظبي ومدينة العين والمنطقة الغربية ومنطقة بني ياس وإمارة الفجيرة وإمارة عجمان وإمارة أم القيوين مع مراعاة فروق التوقيت بين المناطق، وقد أثبتت لنا الأيام أن هذا النظام ضبط تضارب الأصوات واختلاف الأوقات التي كانت تعد من المشكلات الأساسية في السابق.

كما وضعت في المساجد شاشات إلكترونية، لتأخذ المساجد صورة حضارية في عرض المواد العلمية بدلاً من الملصقات الورقية التي تشوه أبوابها وجدرانها، كما قامت بالتدقيق في تصاميم المساجد التي سيتم بناؤها لتراعي المواصفات الحضارية في دولة الإمارات العربية المتحدة وتتطلع في رؤيتها إلى ما يمكن أن تؤول إليه حالة المساجد في المستقبل بما في ذلك مراعاة رواد المساجد من ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن وتوفير سبل الراحة والتيسر عليهم في الدخول والخروج في المسجد ومرافقه المختلفة، كما راعت الاهتمام بمصليات النساء أخذة بعين الاعتبار توفير جميع احتياجاتهن في المساجد، وأولت عناية خاصة بالمساجد التي تقع على الطرق العامة والتوسع في بنائها حسب حاجة المصلين.

وعنيت بتطوير مراكز تحفيظ القرآن الكريم، حيث تشرف الهيئة على (300) مركز، يدرس فيها حوالي (4000) طالباً وطالبة، وتقوم الهيئة بتطوير مراكز نموذجية لتحفيظ القرآن الكريم، ضمن مواصفات دقيقة في اختيار المحفظين، وطريقة التحفيظ، والوسائل التكنولوجية التي تعين على حفظ القرآن الكريم.

واهتمت بتطوير عمل الإفتاء، فأنشأت الهيئة المركز الرسمي للإفتاء، ويقدم للجمهور الكريم خدمة الفتاوى الهاتفية على الرقم المجاني (8002422) من الساعة 8 صباحاً حتى (8) مساء، يناوب عليها أكثر من (50) عالماً متخصصاً في الفتوى من الرجال والنساء وبلغات 3 مختلفة – عربي انجليزي أوردو – ويجيبون على أكثر من (1000) سؤال يوميا، كما وفرت خدمة الفتاوى عبر الرسائل النصية (sms) على الرقم (2535) وقد بلغت فتاوى الرسائل النصية (17000) وخدمة فتاوى الإنترنت عبر الموقع الإلكتروني للهيئة (www.awqaf.gov.ae) ضمن منهجية علمية تراعي المذهب المالكي، المذهب الرسمي لدولة الإمارات. وقد وصلت إلى حوالي (4000) فتوى على الموقع.

فهذه الإنجازات كلها تنهض برسالة المسجد وتحقق رسالته في المجتمع، وقد لاقت الشكر والثناء عند رواد المساجد الذين أدركوا ثمرتها ولمسوا نفعها، وحيث إن رسالة المسجد لها قدسية كبيرة في نفوس المسلمين جميعاً، فان البعض من الناس قد يعتقدون أن تطوير بيوت الله تعالى يتعارض مع قدسيتها، وقد ورد في سيرة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه لما أراد توسعة المسجد وتجديد بعض بنائه كره بعض الصحابة ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته، ولكنه رضي الله عنه قام بتوسعته تحقيقاً لمصلحة شرعية معتبرة كما ورد في صحيح البخاري عن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أنه قال "عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ" وفي الإطار ذاته عندما دخلت المصابيح الكهربائية إلى المساجد عارضها البعض لأنها في نظرهم قد تؤثر في قدسية المساجد والخشوع في الصلاة، ثم طوى الزمن أفكارهم وصارت الكهرباء عصب المساجد ومن أهم خدماتها، وكذلك عندما استخدمت مكبرات الصوت عارضها البعض بل حتى تركيب المكيفات، وحرموا إدخالها إلى المسجد، ثم طوى الزمان آراءهم وصار الأذان بالمكبرات يحل مكان الصعود على المنارات في إيصال صوت المؤذن إلى المصلين، وأصبح الناس يسمعون الأذان وينعمون بتكييف المساجد.

وكذلك عندما تم تطبيق الأذان الموحد لم يدرك البعض ثمراته، فإذا بهم بعد مدة من الزمن يؤيدونه لما رأوا من آثاره الطيبة في الصوت الندي وضبط المواقيت، وعلموا أن العمل به مستند إلى فتوى شرعية من أهل الاختصاص في الفتاوى المعاصرة.

وهذه الأيام نحن مع قضية شرعية تتصل بتطبيق سنة نبوية فيما يخص إقامة الصلاة، فقد أصدرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف قراراً بالاقتصار على استخدام مكبرات الصوت الداخلية فقط أثناء إقامة الصلوات، وعدم استخدام مكبرات الصوت الخارجية؛ وذلك استناداً إلى الفتوى الصادرة عن اللجنة الشرعية التي تم نشرها عبر وسائل الإعلام، وموقعنا على الإنترنت، وينبغي أن نؤكد أن المسلم يجب عليه أن يقف عند حدود الله تعالى، كما قال تعالى في سورة النور " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)" كما أن الأحكام الشرعية لا تحكم فيها العاطفة ولا الرأي الشخصي كما ورد في سنن أبي داود عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ"

ونحن أمام قضية؛ الفصل فيها لما ورد في الشرع الحنيف، كما قال سبحانه وتعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}الشورى10 ثم إنَّ هذا الشرع لابدَّ من تفسيره وتبيينه، ومرجع ذلك إلى العلماء حيث قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء83، وبهذه الآيات يتبين أن الفيصل في هذه المسألة هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم الذين أشار الله إليهم: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ونحب هنا أن نضع بين أيدي القارئ الكريم هذه الحقائق فيما يتعلق بالفروق الشرعية بين الأذان والإقامة كما ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكما هو العمل عليه في عهد الصحابة والتابعين وعصور الخيرية الأولى:

1. الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة لجميع من هم خارج المسجد، أما الإقامة فقد شرعت أهبة للصلاة وتفخيماً لها.

2. الأذان شرع لدعوة الناس إلى المسجد ممن هم خارج المسجد ، أما الإقامة فقد شرعت لدعوة من كان داخل المسجد للقيام إلى الصلاة.

3. كان الأذان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكان عال مرتفع، أما الإقامة فقد كانت في صحن المسجد.

4. الأذان فيه تكرير للألفاظ ليسمع ذلك أكبر عدد من الناس، أما الإقامة فتكون بألفاظ مفردة لا تكرار فيها.

5. الأذان يرفع فيه الصوت، أما الإقامة فيخفض فيها الصوت.

6. الأذان يسن فيه التمهل والترتيل، أما الإقامة فيسن فيها الإسراع والحدر.

كل هذا جعل العلماء يقولون بسنية الأذان على المنارة وسنية الإقامة في المسجد فيقول العلامة ابن الحاج المالكي رحمه الله في المدخل: " وأما الإقامة فلا تكون إلا في المسجد" وكذا يقول الإمام الزيلعي الحنفي في بدائع الصنائع :" السنة أن يكون الأذان في المنارة والإقامة في المسجد" وكذلك يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في فتح الباري: " الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أوصل إليهم بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثم استحبَّ أن يكون الأذان في مكان عالٍ بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عالٍ بخلاف الإقامة" وكذا المعمول به والذي عليه الفتوى في مذهب الحنابلة كما قال الإمام المحرر المرداوي في الإنصاف: "وهو الصواب وعليه العمل في جميع الأمصار والأعصار". كل هذه الأقوال للعلماء لم تأتِ من فراغ وإنما كانت مستمدة من فعل المشرع صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ومن أخذ عنه من صحابته الكرام فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبدالله بن شقيق قال:" من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد وكان عبدالله بن مسعود يفعله".

واستناداً إلى هذه الحقائق الشرعية، وتطبيقاً للسنة النبوية، وعملاً بما جاء في المذاهب الإسلامية المعتبرة فقد قامت الهيئة بإصدار قرارها فيما يتعلق بإقامة الصلاة في المساجد بعد التشاور مع العلماء والفقهاء واللجنة الشرعية، فحري بكل من يحب الحق ويذعن له أن يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحرص على تطبيقها كما نحرص نحن في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف على ذلك.