الطلاق

تاريخ النشر: 06-05-2008

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email


لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)                                               لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

الطَّلاَقُ

الْخُطْبَةُ الأُولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، خلقَنَا مِنْ نفسٍ واحدةٍ فسوَّاهَا، وجعَلَ مِنْهَا زوجَهَا لِيسكُنَ إليهَا ويرْعَاهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عَلَى سيِّدِنَا محمدٍ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.

أمَّا بعدُ: فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ، قالَ تعالَى: ] وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ[ ([1])

أيهَا المسلمونَ: لقَدْ حثَّ الإسلامُ علَى استمرارِ الحياةِ الزوجيةِ ، وجعلَ مِنْ أهدافِهَا بناءَ الأسرةِ المترابطةِ المتماسكةِ ، قالَ اللهُ U: ] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [([2]) فالمودةُ والأُلفةُ وحسنُ العشرةِ، والتواصِي بالخيرِ وجميلِ الخلقِ قِوامُ الأسرةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :« أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ »([3]).

ولقَدْ أمرَ اللهُ U الزوجَ بمعاشرةِ زوجتِهِ بالمعروفِ وبالصبرِ عليهَا حتَّى لَوْ كَرِهَ بعضَ أخلاقِهَا أَوْ لَمْ يُرْضِهِ جَمَالُهَا قالَ اللهُ U :] وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [([4]) وقالَ رَسُولُ اللَّهِ r:« لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ »([5]).

أيهَا المسلمونَ: إنَّ الزواجَ ميثاقٌ غليظٌ ، فلاَ يجوزُ التسرعُ فِي الطلاقِ، لأنَّ فيهِ نفورًا عَنْ مواطنِ الأُلفةِ والمودةِ والرحمةِ، وقَدْ جعلَهُ اللهُ تعالَى حلاًّ يلجأُ إليهِ الزوجانِ المتخاصمانِ عندمَا تفشلُ كلُّ الحلولِ ، وتنعدِمُ كلُّ السبلِ فِي استمرارِ الحياةِ الزوجيةِ ، وحينَ يُخيمُ الشقاءُ علَى أجواءِ البيتِ ، لذَا جاءَ فِي وصفِهِ أنَّهُ أبغضُ الحلالِ، قَالَ r :« أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاقُ »([6]).

وقدْ أُخبِرَr عَنْ رجلٍ تَجاوزَ الحدَّ فِي الطلاقِ فقَالَ r: « مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَلْعَبُ بِحُدُودِ اللهِ يَقُولُ : قَدْ طَلَّقْتُ ، قَدْ رَاجَعْتُ »([7]).

وحذَّرَ رسولُ اللهِr المرأةَ فِي طلبِهَا للطلاقِ بلاَ سببٍ يُرضِي اللهَ تعالَى، فقالَ r: « أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ »([8]).

عبادَ اللهِ : إنَّ مِنَ السلوكياتِ المرفوضةِ أنْ يشتدَّ الغضبُ بينَ الزوجينِ لِمجردِ النقاشِ ويفقدَ أحدُهُمَا أعصابَهُ ويتفوَّهَ بكلماتٍ لاَ يقصدُهَا ، وربمَا يصلُ الأمرُ إلَى الطلاقِ، ولنتذكَرْ أَنَّ رَجُلاً أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ ، وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :« لا تَغْضَبْ »([9]).

ومَا أحكمَ أبَا الدرداءِ وهوَ يُخاطبُ زوجتَهُ : إذَا رأيتِنِي غاضباً فرضِّينِي، وإذَا رأيتُكِ غضْبَى رضَّيْتُكِ، وإلاَّ لَمْ نَصْطَحِبْ ([10]).

وحذَّرَ الإسلامُ مِنْ هدمِ الأُسرةِ وزعزعةِ أركانِهَا، وأعطَى الزوجينِ حُلولاً تدريجيةً لحلِّ المشكلاتِ فِيمَا بينهُمَا مِنْ موعظةٍ وهجرٍ فِي الفراشِ وخلافِهِ ، فإنْ خافَا الشقاقَ تدخلَ الآخرونَ للإصلاحِ ، قالَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى :] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً[ ([11]) لأنَّ فصْمَ رابطةِ الزوجيةِ أمرٌ خطيرٌ ، يترتَّبُ عليهِ آثارٌ بعيدةُ المدَى فِي حياةِ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ ، ولاَ يُلجأُ إليهِ إلاَّ بعدَ استنفادِ كلِّ وسائلِ الإصلاحِ ، وبعدَهَا يأتِي التوجيهُ الربانِيُّ :] فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ ([12]) فإِنْ طلَّقَ الرجلُ زوجتَهُ فلاَ يُشَهِّرْ بِهَا ، ولاَ يتتبَّعْ أخبارَهَا ولاَ يتقوَّلْ عليهَا ، وليتذكَّرْ دائمًا قولَ اللهِ تعالَى :]وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ ([13])

فمَا أجملَ التأسِّيَ بِخُلقِ رسولِ اللهِr فِي الرفقِ فِي الأمورِ كلِّهَا ، ففيهِ مصلحةُ الإنسانِ فِي دينِهِ ودنياهُ، فالإنسانُ يدركُ برفقِهِ وحكمتِهِ مَا لاَ يدركُهُ فِي طيشِهِ وعجلتِهِ، قَالَ رسولُ اللهِ r :« إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِى شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([14]).

فاتقُوا اللهَ ربَّكُمْ وخذُوا بأحسنِ الأخلاقِ، وأخلِصُوا فِي القولِ والعملِ، وتواصَوْا بالصبرِ، وتواصَوْا بالمرحمةِ.

فاللهُمَّ ظلِّلْ بيوتَنَا بالإيمانِ، والمحبةِ والإخلاصِ، وأدم عليهَا السعادةَ والوئامَ بفضلِكَ وكرمِكَ يَا أرحمَ الراحمينِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ.


الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ رب العالمين، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أرسلَهُ ربُّهُ رحمةً للعالمينَ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ علَى سيِّدِنَا محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.

أمَّا بعد: فيَا عبادَ اللهِ اتقُوا اللهَ واعلمُوا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ القلوبَ وجعلَهَا بالحبِّ تَحْيَا، وبالمودةِ والسكينةِ تقوَى، وبالرحمةِ والتآلفِ تعيشُ، وخلقَ النفوسَ لتتجاذَبَ لاَ لتتنافَرَ، وأفضلُ القلوبِ التِي يُحبُّ اللهُ لَهَا التآلفَ والحبَّ هِيَ قلوبُ الزوجينِ، فاتقُوا اللهَ أيهَا الأزواجُ وحافظُوا علَى بيوتِكُمْ، وسكينةِ أُسرِكُمْ، ومستقبلِ أولادِكُمْ وحياتِكُمْ تنالُوا رِضَا ربِّكُمْ.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([15]) ويَقُولُ الرسولُ r :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([16]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً وزدْهُ مِنْ فضلِكَ سعةً ورخاءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفِّقْنَا جَمِيعًا لِلسَّيْرِ عَلَى مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَالرِّفْعَةَ لِهَذِهِ الْبِلاَدِ وَأَهْلِهَا أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ.

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.

-------------------------------------------------------------------
([1]) البقرة : 281.
الموقع الإلكتروني للهيئة
www.awqaf.gov.ae
الخط المجاني للفتوى 22 24 800
([2]) الروم : 21.
([3]) الترمذي : 1162.
([4]) النساء : 19.
([5]) مسلم : 1469. والفرك بفتح الفاء والراء هو الكراهية والإبعاد.
([6]) أبو داود : 2178.
([7]) صحيح ابن حبان 10/82 .
([8]) أبو داود : 2226.
([9]) موطأ مالك : 1643.
([10]) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 1/188.
([11]) النساء : 35.
([12]) البقرة :229.
([13]) البقرة :237.
([14]) مسلم : 2594.
([15]) الأحزاب :56 .
([16]) مسلم : 384.