مولد الرحمة المهداه

تاريخ النشر: 16-03-2008

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email



لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)                                               لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

مَوْلِدُ الرحمةِ المهداةِ صلى الله عليه وسلم

الْخُطْبَةُ الأُولَى

الحمدُ للَِّهِ القائلِ :] لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ[([1]) وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَه لاَ شريكَ لهُ ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنَا ونبينَا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ القائلُ :« إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ »([2]) أرسلَهُ بالهدَى والنُّورِ، والخيرِ والرَّحمةِ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ علَى سيِّدِنا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ ومنْ تبعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ : فأُوصيكُمْ وإيايَ بتقوَى اللهِ العظيمِ وأحثُّكُمْ علَى طاعتِهِ, يقولُ اللهُ تعالَى :] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [([3])

أيُّهَا المسلمونَ: لقدْ أطلَّ علينَا شهرُ ربيعٍ الأولِ الذِي ولِدَ فيهِ خيرُ البريَّةِ وسيِّدُ البشريةِ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ففِي يومِ الاثنينِ الموافقِ الثانِي عشرَ مِنْ هذَا الشهرِ في عامِ الفيلِ - علَى الراجحِ - وُلدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الاِثْنَيْنِ فَقَالَ :« فِيهِ وُلِدْتُ ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَىَّ »([4]). فِي ذلكَ اليومِ الأغرِّ المباركِ ازدانَتِ الدُّنيا وأشرقَ الكونُ بميلادِ خيرِ مولودٍ، إنَّهُ السَّيِّدُ القُرَشيُّ الهاشميُّ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ ، نخبةُ بنِي هاشمٍ، المختارُ المنتَخَبُ منْ خيرِ بطونِِِِ العربِ، وأعرقِهَا فِي النسبِ، وأشرفِهَا فِي الحسبِ، وأفصحِهَا لسانًا، وأوضحِهَا بيانًا، وأرجحِهَا ميزانًا، وأصحِّها إيماناً، وأعزِّهَا نفراً، وأكرمِهَا معشراً، مِنْ قِبَلِ أبيهِ وأمهِ، ومنْ أكرمِِ بلادِ اللهِ علَى اللهِ وعلَى عبادِهِ، صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ ، لقدِ اختارَهُ اللهُ تعالَى منْ مشكاةِ الأنبياءِ، ومنْ سُلالةِ الأصفياءِ، ومِنْ صفوةِ النُّجباءِ، ومنْ أطيبِ الأجدادِ وأشرفِ الآباءِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ :« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ ، وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ »([5]) .

أيُّها المسلمونَ: إنَّنا نفخرُ بأنَّنا مِنْ أمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونفرحُ بميلادِ سيدِ الكائناتِ, ونسعدُ بسماعِ سيرتِهِ صلى الله عليه وسلم ونحمدُ اللهَ تعالَى علَى أنْ بعثَهُ اللهُ فينَا, وجعلنَا مِنْ أتباعِهِ وأمَّتِهِ, يقولُ تعالَى :] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [([6])

إنَّ الاحتفاءَ الحقَّ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتجلَّى فِي محبتِهِ واتباعِهِ؛ فمِنْ حقِّ المصطفَى صلى الله عليه وسلم علينَا محبتُهُ , قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ »([7]). ولنَا فِي محبَّةِ الصَّحابَةِ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قدوةٌ حسنةٌ ؛ فهذَا زيدُ بنُ الدَّثِنَةِ لَمَّا هَمَّ بهِ أهلُ مكةَ ليقتلُوهُ قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ : أَنْشُدُكَ اللّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا الآنَ فِي مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنّكَ فِي أَهْلِكَ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا([8]) .

عبادَ اللهِ: إنَّ محبةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تقتضِي اتِّباعَهُ فِي أقوالِهِ وأفعالِهِصلى الله عليه وسلم وتقتضِي توقيرَهُ ولزومَ منهجِهِ ، فمَنْ أحبَّ الرَّسولَ الأعظمَ والنَّبيَّ الأكرمَ فعليهِ أنْ يقيمَ علَى حبِّهِ دليلاً مِنَ العملِ والموافقةِ لشرعِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، يقولُ تعالَى :] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[([9]) ويقولُ رسولُ اللهِصلى الله عليه وسلم لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»([10]). فمَنْ أحبَّهُ واتَّبعَهُ حُشِرَ معَهُ صلى الله عليه وسلم فِي أعلَى عليينَ, قالَ اللهُ تباركَ وتعالَى :] وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [([11])

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكمْ فاستغفرُوهُ.


الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ذِي الجلالِ والإكرامِ الذِي شرَّفَنَا باتِّباعِ خيرِ الأنامِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ, وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ الأطهارِ وصحبِهِ الأبرارِ.

أمَّا بعدُ: فأوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ العظيمِ , واعلمُوا أنَّ مِنْ حُبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ نرَبِّيَ أبناءَنَا وبناتِنَا علَى حبِّهِ منْ خلالِ ربطِ حياتِهمُ العمليةِ مِنْ أخلاقٍ وسلوكٍ ومنهجٍ وغيرِهَا بسنَتِهِ صلى الله عليه وسلم وتعليمِهِمْ آدابَ ذلكَ وتشجيعِهِمْ علَى حفظِ أحاديثِهِ صلى الله عليه وسلم قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم « نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ »([12]). فجزَى اللهُ مَنْ أحسنَ تربيةَ أبنائِهِ بكلِّ خيرٍ ، فإنَّهُ قدْ نفعَ نفسَهُ وبلادَهُ.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([13]) ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([14]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَقْفَ الْمُحْسِنِينَ لَهُمْ إِحْسَاناً، وَتَبَرُّعَهُمْ بِهِ عَفْوًا وَغُفْرَانًا، وَاجْعَلْهُ فِي قُبُورِهِمْ ذُخْرًا وَنُورًا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ نَعِيمًا وَسَلاَمًا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ، وَاحْفَظْهُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا رَزَقْتَهُ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفِّقْنَا جَمِيعًا لِلسَّيْرِ عَلَى مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَالرِّفْعَةَ لِهَذِهِ الْبِلاَدِ وَأَهْلِهَا أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ.

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) آل عمران : 164.
([2]) الدارمي : 15، والحاكم في المستدرك 1/25.
([3]) آل عمران :102.
الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae
الخط المجاني للفتوى 22 24 800
([4]) مسلم : 1162.
([5]) مسلم : 2276.
([6]) يونس :58.
([7]) متفق عليه .
([8]) سيرة ابن هشام 2/172 .
([9]) آل عمران :31 .
([10]) السنة لابن أبي عاصم 1/12 .
([11]) النساء :69.
([12]) الترمذي : 2657 .
([13]) الأحزاب :56 .
([14]) مسلم : 384.