الهجرة النبوية ووثيقة المدينة المنورة

تاريخ النشر: 28-09-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد الحسن والثناء الجميل, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكريم المنان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم).

أيها المسلمون: يقبل علينا عام هجري جديد، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيده بالخير والبركات على دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة، وشعبها الكريم مواطنين ومقيمين، وأن يجعله عام سلام واستقرار، وسعادة وازدهار للمسلمين والناس أجمعين، وإن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حدث مهم في التاريخ الإنساني عامة، والإسلامي خاصة، فقد بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم برسالة الرحمة للناس كافة، قال عز وجل:( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا). فقام صلى الله عليه وسلم يبلغ الناس رسالة ربه، ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة). ولما حالت قريش بينه وبين أداء رسالته هاجر إلى المدينة؛ ليقيم حضارة إنسانية، تنشر المحبة والسلام، وتنشد السعادة بين جميع الأنام، وفي المدينة المنورة أصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتخاصمين، وأرسى قواعد التلاحم والوئام بين الأنصار والمهاجرين، وكتب وثيقة تاريخية للتعايش بين المسلمين وغيرهم، تحفظ الحقوق، وتقرر الواجبات، وتصون الحريات، ونصت الوثيقة على أن:( كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو خلاف، فإن أمره إلى الله وإلى محمد النبي). فكانت بنودها الأولى تقرر إقامة العدل بين الناس، والتقاضي بالقسط، وهو الأصل الذي قامت عليه الشرائع والأديان والحضارات، وأمر الله تعالى به في القرآن فقال:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان).

ومن قواعد الإنصاف التي أثبتها صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة المنورة نصرة المظلوم، فجاء فيها:( وأن المؤمنين والمتقين على من بغى منهم، أو ابتغى كبيرة ظلم أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليهم جميعهم، ولو كان ولد أحدهم) كما جاء فيها ( وأن النصر للمظلوم) وذلك لجميع الناس في المدينة، فإن وقع ظلم أو بغي من أحد على آخر فإنه ينتصر للمظلوم، ويسترد الحق من الظالم، قال الله عز وجل:( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين).

عباد الله: لقد أرست وثيقة المدينة قواعد التعايش بين المسلمين وغيرهم، فجاء فيها:( وأن بينهم- أي: المسلمين وغيرهم من سكان المدينة- النصح والنصيحة، وأن البر دون الإثم) و(لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم) فرسخت الوثيقة مفهوم التسامح الديني، وحرية الاعتقاد، وقضت على مبدإ التعصب وإكراه الناس على الدين، قال تعالى:( لا إكراه في الدين). وقال عز وجل:( لكم دينكم ولي دين). فأقرت بذلك السلام والوئام بدلا من الخصومة والصدام؛ لأن الاختلاف بين الناس في أشكالهم وألوانهم ومعتقداتهم سنة إلهية، وحكمة ربانية؛ قال سبحانه:( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). وأكدت وثيقة المدينة مبدأ البر بغير المسلمين في مواضع عدة منها، وهو ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى:( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). فما أجمل دين الإسلام، الذي جاء لينشر في الأرض السلام، والبر والإحسان، والرحمة والوئام.

أيها المصلون: لقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة ‏حقوق المواطنة، فمن حق كافة فئات المجتمع على اختلاف أعراقها وألسنتها ومعتقداتها أن تنعم بالاستقرار والحرية، وتأمن على الدين والنفس والمال والعرض، دون تمييز على أساس ديني أو عرقي، فكان مما جاء في الوثيقة النبوية :( وأنه من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن). فكانت المدينة واحة أمان، وروضة اطمئنان، يعيش جميع أهلها بسلام، وهم أمة واحدة، يعملون على أحسن هدي وأقومه، وأيديهم على من بغى أو أحدث فسادا، يهبون للدفاع عنها، ويقفون في وجه من يداهمها. وأسست الوثيقة النبوية لمجتمع تحترم فيه الخصوصية، وتحفظ الملكية الخاصة والعامة، وتحدد المسؤولية الشخصية، فقد نصت على أنه( لا يكسب كاسب إلا على نفسه). وجاء ذلك في قوله تعالى:( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى). فكان ذلك دعوة إلى البعد عن ثارات الجاهلية وحميتها، ووجوب الخضوع للقانون، ورد الأمر إلى حاكم المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المبدأ الذي أمر به القرآن بقوله:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

فاللهم أدم محبتنا، وبارك ألفتنا، ووفقنا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم،

وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم،

فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق تقاته، وداوموا على طاعته، وإننا بحمد الله تعالى نعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي رمز للوئام، ومهد للسلام، وأنموذج راق للتعايش المجتمعي، والتناغم الثقافي، فقد تأسست الدولة على قواعد من المبادئ الإنسانية الراسخة، والقيم الوطنية الأصيلة، المنبعثة من فهم صحيح لمقاصد الشريعة السمحة، وقد أصدرت قانون مكافحة التمييز والكراهية؛ حماية للتسامح، وليكون تطبيقا عمليا لمبدأ التعايش والتمازج المجتمعي، وليتعاون أفراد المجتمع على اختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم على البناء الحضاري في كنف القيادة الرشيدة، فتبوأت الدولة المباركة مراتب متقدمة في مؤشرات السلام العالمي، والتقدم العلمي والعملي، والعلاقات الدولية المتميزة. فكيف نحافظ على مبادئ ديننا الإسلامي، التي دعت إلى التسامح والعدل، والبر والإحسان، وحماية الوطن، والتعاون في بنائه، واحترام أتباع الديانات الأخرى؟

فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال الله سبحانه:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

اللهم أدم علينا الاستقرار في الأوطان، وارزقنا دار السلام يوم نلقاك يا رحيم يا رحمن.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء يا أكرم الأكرمين.

اللهم انشر الاستقرار والسلام في بلدان المسلمين والعالم أجمعين. اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ونسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك، أو وقف وقفا يعود بالخير على عبادك، أو تنتفع به ذريته من بعده.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).