استثمار يوم عرفة

تاريخ النشر: 05-09-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، وأكمل لنا دينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل ولزوم طاعته؛ كي نفوز بجنته، قال سبحانه:( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد).

أيها المؤمنون: إن يوم عرفة يوم عظم الله تعالى أمره، ورفع قدره، وأقسم به؛ فقال سبحانه:( وشاهد ومشهود). والشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة. وهو اليوم الذي أكمل الله عز وجل فيه الدين، وأتم علينا النعمة، وأنزل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في موقف عرفات المشهود قوله تعالى:( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات، في يوم جمعة.

وفي يوم عرفة يباهي ربنا تبارك وتعالى بعباده، ويغفر لهم، فما رئي الشيطان في يوم أحقر ولا أدحر، ولا أذل ولا أصغر منه في يوم عرفة؛ لما يرى من سعة رحمة الله سبحانه بعباده وعفوه عنهم، فالشيطان يحرض بين الناس؛ ليوقعهم في الآثام، قال الله تعالى:( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا). وقال عز وجل:( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم).

عباد الله: كيف نتعرض لنفحات الله تعالى في يوم عرفة؟ نغتنم عطايا الله سبحانه في هذا اليوم الكريم؛ بأن نستثمر كل لحظة في طاعته، لننال مغفرته ورحمته، فنتوجه إليه تعالى سائر يوم عرفة بالسؤال والدعاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».

فندعو الله تعالى بالخير للنفس والأهل، والوطن والحاكم، ولعموم المسلمين.

قال أحد العلماء: يوم عرفة أفضل أيام السنة للدعاء. وندعو بقلب خاشع، موقنين بالإجابة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل».

أيها الذاكرون: وفي يوم عرفة نكثر من قراءة القرآن الكريم، وذكر الله تعالى، فذلك من أسباب الفوز بجنته، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله، من ذكر الله عز وجل. وقراءة القرآن الكريم أفضل الذكر.

وكذلك نتقرب إلى الله تعالى بالسنن والنوافل حتى ننال محبته ورضاه، وننهل من فيض كرمه وعطاياه.

وإن المرء قد ينشغل ببعض أمور الحياة، فهل من عمل صالح يشمل نهار يوم عرفة كله؟ نعم؛ إن الصيام يحقق لنا ذلك، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، فقال صلى الله عليه وسلم :« يكفر السنة الماضية والباقية». فما أعظمه من أجر، وما أكرمه من عطاء، فهل نغتنم يوم عرفة ونصومه، لننال تكفير السنة الماضية والسنة الباقية؟

أيها المسلمون: إن من أهم مظاهر الخير في عرفات هو اجتماع الحجيج في مكان واحد، في وقت واحد، من شتى بقاع الأرض، فالله تعالى خالق الخلق، يجمع المسلمين في يوم عرفة، ليكون ذلك لهم درسا في تحقيق الوحدة والائتلاف، وإعلاء راية التسامح، وقيمة المودة والتصالح، ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف، التي تمنع العفو، وتحجب المغفرة التي يؤخرها الله تعالى عن المتشاحنين، فيقول لملائكته الكرام:« اركوا هذين حتى يصطلحا». أي: أخروهما، فهذا يوم التصافي والتواد، وتوطيد العلاقات مع الله تعالى، ومع الناس؛ باحترام حقوقهم التي أمر الله تعالى بها، وأوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف في نهاية مسيرته، وختام دعوته؛ فألقى خطبة وسأل فيها أصحابه:« أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ ثم قال:« إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». فقرر صلى الله عليه وسلم صيانة الدماء أن تسفك، وحفظ الأعراض أن تنتهك، والحفاظ على الأموال أن تستباح، وهذا يظهر المقصد الأسمى من رسالة الإسلام، إنها ترسخ دعائم السلم العالمي، والتعايش الإنساني، لينعم الجميع بالرخاء والاستقرار، فديننا ينشد الأمان للناس كافة، ومقصده الرحمة بالعالمين جميعا.

فهل نستثمر يوم عرفة في طاعة ربنا، وتقوية صلتنا بأبناء مجتمعنا؟

فاللهم ألف بين قلوبنا، واشرح صدورنا، واغفر لنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، وتقبل من الحجاج حجهم، وأعدهم سالمين إلى بلادهم، ووفقنا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها المصلون، إن أهم ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وأن نعلم أن يوم عرفة يوم نفرح فيه برحمة ربنا، وتفضله علينا، ومغفرته لنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام». وأما يوم النحر فقد أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في شأنه قوله:( إنا أعطيناك الكوثر* فصل لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر). والكوثر نهر في الجنة، قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم». والمقصود بقوله تعالى:( فصل لربك وانحر) صلاة العيد ونحر الأضاحي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة عيد الأضحى، ثم ينحر أضحيته.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء يا أكرم الأكرمين.

اللهم انشر الاستقرار والسلام في بلدان المسلمين.  

اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم أدم علينا نعمك وفضلك، ووفق أبناءنا، واهد شبابنا، واحفظ أزواجنا، وبارك لنا في ذرياتنا، وألف بين قلوبنا، واشرح صدورنا يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ونسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم تقبل من كل من أدى زكاة ماله، واخلف عليه، وبارك له فيما رزقته، اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك، أو وقف وقفا يعود بالخير على عبادك، أو تنتفع به ذريته من بعده.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).