الإسراء والمعراج

تاريخ النشر: 25-04-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأراه من آياته الكبرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أنزل عليه الآيات، وأيده بالمعجزات، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم).

عباد الله: لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس بالخير والرحمة، فقام يدعو إلى الله على بصيرة، وتحمل صلى الله عليه وسلم في سبيل ذلك من الشدائد ما دفعه إلى أن يشكو إلى ربه سبحانه ضعف قوته، وقلة حيلته، فرأى الله عز وجل حاله، وسمع دعاءه ( إنه هو السميع البصير). فأكرمه بمعجزة الإسراء والمعراج، وعوضه عن جفاء المعارضين بحفاوة أهل السماء المقربين، وخفف بها ألمه، وأذهب حزنه، وأعلى شأنه، ورفع منزلته :(فكان قاب قوسين أو أدنى). وما بلغ تلك المرتبة الرفيعة إلا بحسن عبادته لربه، وامتثال أمره، قال تعالى:( سبحان الذي أسرى بعبده). قال العلماء في قوله تعالى:( بعبده): لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية. ففي عبادة الله عز وجل شرف الدنيا وفوز الآخرة، وهي تكسب المرء وقارا وهيبة، وتجعل له في قلوب الناس قبولا ومحبة، قال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.

أيها المسلمون: وبدأت رحلة الإسراء من المسجد الحرام وانتهت بالمسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله؛ وفي ذلك إشارة إلى مكانة المساجد عند الله عز وجل، فهي أحب بقاع الأرض إليه سبحانه؛ قال صلى الله عليه وسلم :« أحب البلاد إلى الله مساجدها». ثم عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء فرأى فيها بعض الأنبياء عليهم السلام؛ قال أنس رضي الله عنه: وجد صلى الله عليه وسلم في السموات آدم وإدريس، ويوسف ويحيى، وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، كل يرحب به قائلا:« مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح». وترحيب الأنبياء واحتفاؤهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه دلالة على وحدة البناء الذي شيدوه, والدين الذي أقاموه, حتى أكمل الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم الرسالات, وختم به النبوات، فدين الأنبياء واحد، كلهم دعا إلى عبادة الله وحده، وإن اختلفت شرائع الأنبياء في بعض الأحكام، قال الله عز وجل:( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). وقال سبحانه:( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين) أي: بتوحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وباليوم الآخر، وأما الشرائع فهي تختلف بحسب مصالح الأمم على حسب أحوالها.

ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ( عندها جنة المأوى* إذ يغشى السدرة ما يغشى* ما زاغ البصر وما طغى) فشرفه الله سبحانه بالوقوف بين يديه, ووجد لذة لقائه ومناجاته.

عباد الله: ومن الدروس النافعة، والمواعظ البليغة لرحلة الإسراء والمعراج معرفة منزلة الصلاة، فالدين في جوهره اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق، والصلاة تصلنا بالرحمن، فهي ليست حركات بل قربات، قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم :( واسجد واقترب). وهي من أعظم الأعمال أجرا، قال سعيد بن المسيب رحمه الله: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة. فهنيئا لمن حافظ عليها، وأتم ركوعها وسجودها، وغرس في قلوب أبنائه حب المواظبة عليها.

ومن أعظم ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة المباركة خواتيم سورة البقرة، ومغفرة الذنوب العظام لمن لم يشرك من أمته، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى ... فأعطى ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات. أي: المهلكات.

ويا له من عطاء كريم، فخواتيم سورة البقرة من أسباب الحفظ من الشرور، والوقاية من المكروه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه». فكانت ليلة الإسراء ليلة العطاء، والكرم والسخاء. وهذا إبراهيم عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في السماء السابعة، فيوصيه وصية واحدة في هذا المقام العالي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». والقيعان هي الأرض المستوية التي لا بناء فيها ولا زرع.

فهذه هي مكانة الذكر، وعلو شأنه وفضله، فإنه الغراس الذي لا تهلكه الحوادث، ولا تعصف به الرياح, ولا تتلفه الأحداث، فهل غرسنا في الجنة أشجارا لنقطف غدا ثمارها؟

فاللهم وفقنا لأفضل الأقوال، وأحسن الأعمال، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، والتمسوا ما يحب ويرضى، واعلموا أن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج كان من آيات ربه الكبرى، فمنها ما يتعلق بأفعال الناس وأقوالهم التي تضر بالأفراد والمجتمعات, فشاهد عقوبة الغيبة، فهي من أكبر الآفات, وأشد السيئات؛ لأنها تجلب العداوات، وتثير الخلافات، وتقطع العلاقات والصداقات، قال تعالى:( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم). وشاهد صلى الله عليه وسلم الجنة والنار, فرأى في الجنة ما أعده الله عز وجل لعباده الصالحين من الجزاء والنعيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين». وذلك ليتطلع الإنسان إلى الجنة، وتعلو همته للحصول عليها، فيجتهد في طاعة الخالق، ويحسن إلى الخلق، ليكون بالجنة من الفائزين، وفيها من المنعمين. فاللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعلنا برسولك مقتدين، وبسيرته مهتدين، واجعلنا من أهل جنة النعيم يا رب العالمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم.

اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ونسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك، أو وقف وقفا يعود بالخير على عبادك، أو تنتفع به ذريته من بعده.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).