الفتوى

تاريخ النشر: 13-04-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                          الخطبة الأولى

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أوضح لخلقه شرائعه وأحكامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا).

أيها المسلمون: إن الفتيا هي بلاغ عن الله تبارك وتعالى، وبيان لمراده من شرعه الحكيم، وقد تولى الله عز وجل الإجابة على أسئلة المستفتين، فكانت الآيات تنزل بالجواب الشافي، والرد الوافي لما يستفتون عنه، قال تعالى:( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة). وقال سبحانه:( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن). وأرسل الله عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ليبين للناس أحكام دينه، قال تعالى:( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). أي: لتبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين مراد الله عز وجل مما أجمله سبحانه في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما لم يفصله. فكان صلى الله عليه وسلم أول من تولى الفتوى بتكليف من الله تعالى، وكان الصحابة رضوان الله عليهم مع غزارة علمهم وسعة فقههم يهابون الفتوى، ويتورعون عنها؛ قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا, وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول.

وكان العلماء من بعدهم يعرفون للفتيا قدرها ويهابونها، ويود أحدهم أن تبتعد عنه بأجرها ووزرها، قال أصحاب الإمام مالك رحمه الله: كان مالك إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار. ويحق للمفتي أن يكون كذلك, وقد جعله السائل الحجة له عند الله, يعمل بما قال, ويصير إلى فتواه، وهذا مقام خطر, وطريق وعر. كيف لا؟ وهو سيسأل عنه أمام الله جل في علاه؛ يقول أبو حنيفة رحمه الله: لولا الخوف من الله أن يضيع العلم ما أفتيت أحدا, يكون له المهنأ وعلي الإثم.

عباد الله: إن المفتي أمين على أحكام الشرع، مسؤول عنها أمام الله تعالى، قال أحد العلماء: إن العالم بين الله وبين خلقه, فلينظر كيف يفتي لهم.

وإنها لمنزلة عظيمة، ومسؤولية كبيرة، لا يقوم بها إلا العلماء المختصون، فهم الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ولا يحسن ذلك إلا من توفرت فيه شروط الفتيا؛ حفاظا على هيبتها، وصيانة لانضباطها؛ فمن شروط المفتي: أن يكون عاقلا عدلا في نفسه، حذرا فطنا بعيد النظر، وأن يعتمد على قرائن الأحوال والعادات، ومعرفة واقع الناس، حتى لا يلتبس عليه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، عالما بالفقه أصلا وفرعا، خلافا ومذهبا.

وأن يكون كامل الأدلة في الاجتهاد، عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام وتفسير الآيات الواردة في الأحكام، والأخبار الواردة فيها.

وأن يشهد العلماء بأهليته للفتيا؛ قال الإمام مالك رحمه الله: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني أهل لذلك.

وقال الشافعي رحمه الله: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه, وبمحكمه ومتشابهه, وتأويله وتنزيله, ومكيه ومدنيه, وما أريد به, وفيما أنزل, ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن, ويكون بصيرا باللغة, ويستعمل مع هذا: الإنصاف، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام, وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي.

أيها المسلمون: ومن المظاهر السلبية للفتوى وجود فئة غير مؤهلة اجترأت على الفتيا بغير علم افتراء على الله، وقد توعد سبحانه من افترى عليه كذبا بالخسران المبين؛ فقال جل شأنه :( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون). فمن اجترأ على الفتيا كان كمن اجترأ على النار وأقدم عليها؛ لأنه أفتى بغير علم راسخ وأصل ثابت ومعرفة يقينية؛ فظلم واعتدى، قال سبحانه:( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين). وهذه الفئة أفتوا بغير علم ولا هدى، فتسببوا في سفك الدماء، وهتك الأعراض، ونشر الفساد في الأرض، والحكم على الناس بالكفر والضلال، بغير مرجعية صحيحة وموثقة من كتاب أو سنة، فلم يرجعوا في فهم النصوص إلى أهل العلم، فالمنحرفون ومن أفتاهم في الإثم سواء، وهم فيه شركاء، قال الله تعالى عن أمثالهم:( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون). أي: يحملون إثم من أضلوه، ولا ينقص من إثم المضل شيء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». فاللهم فقهنا في ديننا، وارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها المصلون، إن أول ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وأن نحفظ للفتيا هيبتها، ونقدرها حق قدرها، ونوكلها لأهل العلم والفقه، فهم أهل الذكر الذين أمرنا الله سبحانه بالرجوع إليهم في أسئلتنا واستفساراتنا، فقال تعالى:( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). ولكل إنسان جواب يناسب سؤاله بحسب ظروفه وأحواله الخاصة، وهو ما يسمى بمراعاة حال المستفتي، ولا يتقن هذا إلا المفتي المختص، فهو يحاور المستفتي حتى يتبين له حاله، ومن هذا المنطلق قامت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة بضبط الفتوى، وعملت على تعزيز مرجعية الإفتاء في الدولة، فأنشأت الجهات المتخصصة في الإفتاء؛ للإجابة عن الأسئلة الشرعية من قبل أهل العلم والفقه، ووفرت طرق الاتصال والخدمات الذكية؛ لتيسير الحصول على الفتوى الصحيحة.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعلنا ممن يعظمون شرعك، ويتجملون بالورع والتقوى يا رب العالمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم.

اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ونسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك، أو وقف وقفا يعود بالخير على عبادك، أو تنتفع به ذريته من بعده.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).