التراحم المجتمعي

تاريخ النشر: 15-03-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                          الخطبة الأولى

الحمد لله أرحم الراحمين، حث على التراحم بين الناس أجمعين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله, ألين الناس قلبا، وأكثرهم برا وعطفا، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم).

عباد الله: لقد حرص الإسلام بمبادئه السامية، وتشريعاته الحكيمة على بناء مجتمع متكاتف متراحم، يقوم على التعاون والتآزر, قال الله تعالى:( وتعاونوا على البر والتقوى). وهذا التكافل الاجتماعي يقصد به: إيجاد تعاون عام؛ ينشر الخير بين الناس، ويمتد ليشمل المجتمع كله، وهو ينبعث من شعور المرء بغيره، فيحمله ذلك على الوقوف إلى جانبه، فيتحقق تماسك المجتمع، ويرحم الناس بعضهم بعضا.

فيا أهل الإيمان والجود والإحسان: إن التراحم المجتمعي عمل يقتضي بذل الخير والمعروف المعنوي والمادي لمن هو في حاجة إليه, ويحب المرء الخير والفضل لغيره كما يحبه لنفسه, يقول النبي صلى الله عليه وسلم :« إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس». فهو تراحم مجتمعي يغلب فيه المرء المصالح العامة على الخاصة, والمنافع الجماعية على الفردية, فيتراحم المجتمع ويتعاون؛ ويشتد بناؤه، ويقوى تماسكه؛ ويترابط أبناؤه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.

أيها المصلون: أكد القرآن الكريم على معاني التراحم المجتمعي, فقال الله سبحانه:( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب). وفي الآية أمر بالإحسان إلى الأهل والأقرباء، والجيران والأصدقاء، والمحتاجين والضعفاء، وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المعاني السامية؛ فكان صلى الله عليه وسلم يجالس أفراد مجتمعه، ويخالطهم ويحادثهم، ويبدؤهم بالسلام، ويداعب أطفالهم, ويعين محتاجهم, ويعود مرضاهم، ويواسي مبتلاهم، ويسعى في حاجتهم، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قصده أحد للمساعدة لبى طلبه، وذهب معه ليحل له مشكلته، مما يدل على كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم ورفقه وشفقته على الناس، وتقديم العون لهم.

فما أجمل أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم فيعين بعضنا بعضا على متطلبات الحياة وأعبائها، وشؤونها وواجباتها، ولقد جاءت نصوص شرعية تظهر أهمية التكافل الاجتماعي في المجتمع، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في التكافل مع أهله والأقربين أسوة يقتدى، ومثالا يحتذى، ورغب صلى الله عليه وسلم في التصدق على الفقراء، وبين أن أهل الحاجة منهم أولى من غيرهم؛ فقال صلى الله عليه وسلم :« خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول».

عباد الله: وحث الشرع الحنيف على التكافل المادي مع ذوي الأرحام، فضاعف الأجر لمن وصلهم، أو تكفل بهم، أو تضامن معهم على متطلبات الحياة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة».

وتتسع دائرة التكافل الاجتماعي لتشمل الجيران، وذلك بحسن معاملتهم، ومشاركتهم أفراحهم، ومؤازرتهم في أحزانهم، والإهداء إليهم، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم :« يا أبا ذر: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك». وذلك لما للهدية والهبة من دور مهم في تقوية النسيج الاجتماعي، وإشاعة روح الألفة والمودة بين الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« تهادوا تحابوا». فما أرحمه من دين، يحرص على المحبة بين القلوب، والمودة بين أفراد المجتمع، والتكافل والترابط فيما بينهم.

وتمتد مظلة التكافل فيه لتشمل العطف على الفقراء، والرحمة بالمساكين والضعفاء والأيتام، قال الله تعالى:( فأما اليتيم فلا تقهر).

ويتسع نطاق التكافل الاجتماعي ليعم المجتمع كله، فيتعاون أفراده على الخيرات، ويتحدوا في مواجهة الأزمات، ويتواسوا في الملمات، ويبذلوا وسعهم لتفريج الكربات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة».

ومن تفريج الكربات والتكافل في الملمات التبرع بالدم للجرحى والمرضى والمصابين، فذلك فيه أجر كريم وثواب عظيم، فقد تنقذ به حياة إنسان، وتغيثه قبل الفوات، قال الله تعالى:( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). فهنيئا لمن كان متراحما مع أفراد مجتمعه، متعاونا في معاملاته، يعين الناس على أعباء الحياة، ويسعى في قضاء مصالحهم، وتقديم العون لهم، ويشاركهم في أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم، ويعود مريضهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم.

فاللهم ارزقنا الرحمة في قلوبنا، وعمل الخير في سعينا, ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك محمد الأمين صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها المصلون، إن أول ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وتعزيز التراحم والتكافل المجتمعي، فقد عرف به المجتمع الإماراتي، إذ هو مبدأ أصيل في تقاليد دولة الإمارات العربية المتحدة الأصيلة، فمنه ما يسمى بـ(الفزعة). وهي أن يتعاون الناس مع بعضهم في إغاثة الملهوف، وتيسير أمر المحتاج، وسد حاجته, ومواساته، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم :« على كل مسلم صدقة». قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال :« يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق». قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال:« يعين ذا الحاجة الملهوف».

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اجعلنا متكافلين، وعلى الخير متعاونين، وأعنا على بذل الخير والمعروف يا رب العالمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين. اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين. اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ونسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).