التواصل الحضاري

تاريخ النشر: 02-02-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                          الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، حثنا على حسن التواصل، ورغبنا في جميل التعامل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أنزل الله عليه الكتاب والحكمة، وأرسله للعالمين رحمة؛ فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

أيها المسلمون: خلق الله سبحانه الناس من نفس واحدة، وجعلهم شعوبا، ليحصل بينهم التعاون والتكافل، والتعارف والتكامل، قال تعالى:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). ورغب ديننا في التواصل المثمر مع الناس جميعا على ركائز من حسن المعاملة، بالفعل النبيل، والقول الجميل، قال تعالى:( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم* وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). وقال عز وجل:( وقولوا للناس حسنا). والناس لفظ عام يشمل البشر كافة على اختلاف أديانهم وأعراقهم، وألسنتهم وألوانهم، وبلدانهم، فالتعامل الحسن مع المجتمعات والشعوب مقصد عظيم من مقاصد شرعنا الحكيم، أرساه على الأسس الراقية، والأخلاق العالية؛ التي ترسخ التواصل الحضاري، فدعا إلى السماحة والرحمة، والصدق والعدل، والوفاء والأمانة، والحلم والصفح، والرفق واللطف، والبر والإحسان؛ لتكون هذه الصفات نورا لكل مسلم، وأساسا لكل مجتمع، وهديا متبعا في التعامل مع الناس كافة، وجعل الله تعالى البر والقسط أصلا في التواصل مع الآخرين، فقال سبحانه:( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). قال العلماء في تفسير هذه الآية: البر بغير المسلمين يكون بالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم تلطفا ورحمة، والدعاء لهم بالهداية والسعادة، وصيانة أموالهم وعيالهم وأعراضهم، وحفظ جميع حقوقهم ومصالحهم، وإعانتهم على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم. وعدم إكراههم على الدخول في دين الإسلام، قال تعالى:( لا إكراه في الدين). أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه. وقال عز وجل:( لكم دينكم ولي دين).

وتعزيزا لمبدإ التواصل الحضاري نهى الإسلام عن كل ما يسيء إلى معتقدات الآخرين، قال سبحانه:( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم). فذلك يثير أحقادهم، ويورث قطيعتهم، ويؤدي إلى شر ونزاع، وفتنة وخصام بيننا وبينهم، وإن المجتمعات في هذا العصر في أمس الحاجة إلى التواصل الحضاري، والتعاون البناء، والحوار المثمر، فبين الدول مصالح مشتركة، وزيارات متبادلة، وحدود محترمة، وعهود معتبرة، قال تعالى:( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا).

أيها المصلون: وترجم المسلمون مبادئ التواصل الحضاري عبر العصور، فكانوا منهجا يحتذى به في السماحة والوئام والتواصل، والتعامل الجميل مع الناس جميعا، ولذلك تأثرت المجتمعات بسلوكهم، ودخلت في دين الله أفواجا.

وصور التواصل الحضاري متعددة، ومنها صلة القريب وإن كان غير مسلم، قال سبحانه:( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا). وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أأصلها؟ قال:« نعم». وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل غير المسلمين في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، ويمنع الخيانة والغش والخداع، والاعتداء على أموالهم. وقد جعل صلى الله عليه وسلم لهم ذمة وحرمة؛ فقال عن أهل نجران:« ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي، على أنفسهم وملتهم وأرضيهم وأموالهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وبيعهم». فصان أعراضهم، وحفظ أموالهم، وعصم دماءهم، قال صلى الله عليه وسلم:« من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». فوجب إنصافهم، وحرم ظلمهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا ذلك:« ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة». قال العلامة القرافي المالكي: فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام.

أيها المسلمون: إن للتواصل الحضاري ثمراته العظيمة، فبه تصان

الأنفس، وتحفظ الحقوق، ويسود الوئام والسلام، ويتحقق للجميع حياة آمنة هانئة، وعيشة كريمة مستقرة، ويدفع شر كل متطرف هدام، قال النبي صلى الله عليه وسلم:« المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».

وإن دولة الإمارات العربية المتحدة نموذج للتواصل الحضاري، ومثال في العدل والتسامح والوئام، حيث يعيش على أرض الإمارات ما يزيد عن مئتي جنسية من مختلف دول العالم، تتعدد انتماءاتهم العرقية، وتتنوع معتقداتهم الدينية، يتعاونون جميعا لتحقيق أهداف مشتركة في بناء الوطن وخدمة المجتمع، وإسعاد الناس، ويتمتعون بكامل الحقوق والحريات، وينعمون بالاستقرار والخير داخل ربوع دولة الإمارات العربية المتحدة. فاللهم أدم علينا الاستقرار والازدهار، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته ، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن أول ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وإدراك أن استخدام شبكات الإنترنت من أبرز صور التواصل في عصرنا، التي يمكن استثمارها لخدمة العلم والمعرفة، ونشر الثقافة النافعة، وتقوية العلاقات والصلات، وتصحيح المفاهيم والتصورات، وإن لاستعمالها ضوابط، يجمل بالمرء أن يراعيها، ومنها مبادئ التخاطب والحوار؛ باختيار أعذب الكلمات، وانتقاء أجمل العبارات، عملا بقوله تعالى:( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا). ويحسن استثمار هذه الوسائل، واغتنامها فيما ينفعنا في أنفسنا وديننا، ومجتمعنا ووطننا، وأن نستفيد من نافعها، وأن ينبه رب الأسرة أسرته إلى تجنب مضارها، خاصة ما يبث فيها من الأفكار المتطرفة عبر المواقع المشبوهة، التي تشوه صورة ديننا الحنيف، وتنشر الفساد، قال الله تعالى:( ولا تتبع سبيل المفسدين).

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعلنا من أهل البر والتسامح والإحسان، ومن علينا من واسع كرمك وفضلك يا رحيم يا رحمن.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا رب العالمين.

اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا. اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).