النزاهة

تاريخ النشر: 19-01-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                          الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، تقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته، سبحانه خلق النفس فسواها، ووعد بالفلاح من زكاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وقدوة النزهاء، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون).

أيها المسلمون: إن الإسلام دين الأخلاق العالية، والأقوال الفاضلة، والمعاملات الراقية، فقد حثنا على أن نتحلى بأرفع الشيم، وأجمل الخصال والقيم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :« إن الله كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويكره سفسافها».

والنزاهة قيمة كريمة، إن استقرت في النفوس النبيلة أشرقت بجميل الفعال، وحسن الخلال، فهي من أهم الصفات وأجلها، وأحسن الأخلاق وأكملها، ومن معاني النزاهة: البعد عن السوء، والترفع عن النقائص.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  في نزاهته وترفعه خير قدوة يتبع، وأفضل أنموذج يحتذى؛ فقد قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم  في سفر، فتعب جملي، فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم  ودعا له، فضربه، فسار سيرا لم يسر مثله، فقال:« بعنيه بوقية». قلت: لا. قال:« بعنيه». فبعته بوقية، فلما بلغنا المدينة أتيته بالجمل، وابتغيت ثمنه، ثم رجعت فأرسل إلي، فقال:« أتراني إنما ماكستك ـ أي نقصت الثمن ـ لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك». فكان النبي صلى الله عليه وسلم  مترفعا عن أموال أصحابه، لأن الترفع عن المطامع أصل في النزاهة؛ وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم  أصحابه رضوان الله عليهم النزاهة، فكانوا نماذج فريدة، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني. فقال:« خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك».

وهذا حكيم بن حزام رضي الله عنه يروي لنا كيف علمه النبي صلى الله عليه وسلم  النزاهة فيقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال:« يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى». فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنياـ أي: لا أنقص مال أحد ـ فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى، وكذلك دعاه عمر رضي الله عنه ليعطيه فأبى... فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى توفي. أي: لم يأخذ من أحد شيئا، فرضي الله عنه، نزه نفسه عن الجشع والطمع، فيا لها من نزاهة رفيعة القدر، بالغة الشأن.

وكذلك من أبرز صور النزاهة الترفع عن المكاسب المحرمة والمشبوهة، ويستعان على ذلك بالقناعة، فهي كنز لا يفنى، لأن الإنفاق منها لا ينقطع، وكلما تعذر على القانع شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  :« أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم».

أيها المؤمنون: والطهارة من صور النزاهة، كطهارة البدن من أدرانه، وطهارة النفس ونزاهتها عن النقائص، وأهم ذلك وأوله، وأعلاه ومقدمه: طهارة القلب ونزاهته من أمراضه، من الحقد والحسد، والكراهية والبغضاء، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم  منها، وحثنا على أن ننزه قلوبنا عنها، ووصف لنا دواء هذا الداء فقال صلى الله عليه وسلم  :«دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم، أفشوا السلام بينكم».

أيها المصلون: إن النزاهة في أداء الوظائف من أبرز صور النزاهة، وأشدها أثرا على المجتمع، وذلك بتعفف الموظف عما لا يليق؛ ومنها التعفف عن المساس بالأموال العامة، فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان تسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ أطفأها، وأسرج عليه سراجه. أي كان يضيء الشمعة الخاصة ببيت المال طالما كان في قضاء مصالح المسلمين، فإذا انتهى أضاء مصباحه الخاص به.

ولا يقصر الموظف النزيه عن أداء واجب، ولا يقدم على فعل محظور، فهو أنزه من أن يقبل رشوة، أو أن يأخذ هدية من ورائها مآرب أخرى، فعن سليمان بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص- أي: يقدر الثمار- بينه وبين أهل خيبر، فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، وطلبوا منه أن يخفف عنهم ويحابيهم، فقال عبد الله بن رواحة: أما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت- أي كسب حرام- وإنا لا نأكلها. فقالوا: بهذا - أي بالعدل- قامت السموات والأرض.

وإن التاجر يتنزه عن أن يبيع ما يضر الناس، ولا يغريه كثرة الربح، ويقتدي بالصالحين، والتجار الصادقين، فيفوز ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم  القائل:« التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة». والنزاهة تتنوع بتنوع أنشطة الحياة، وكل مجال له صور نزاهته، ومظاهر عفته. فاللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، واجعلنا بالنزاهة قائمين، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم  وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المصلون: إن أولى ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، والنزاهة عن كل ما لا يليق، فننزه أنفسنا وقلوبنا وجوارحنا، ونزينها بكل طاهر وزكي، فننزه ألسنتنا عن الفحش والغيبة، ونتجنب مواطن الريبة؛ فمن وضع نفسه موضع التهم فلا يلوم من أساء به الظن، فالنزاهة عصمة وصيانة، ولها ثمرات جنية، وفوائد جلية، وأولها رضا الله تعالى، وتعليم النفس القناعة، وهي من سبل الفلاح في الدنيا والآخرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  :« قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه».

والنزاهة تحقق للنفس رضاها، وتمنحها غناها؛ يقول صلى الله عليه وسلم  :« ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». أي ليس الغنى عن كثرة متاع الدنيا، ولكن الغنى الحقيقي غنى النفس وشبعها مع قلة حرصها على المال. كما أن النزاهة تصون للنفس عزتها، وتحفظ لها كرامتها، فإذا تحققت النزاهة في المجتمع؛ تعززت الثقة بين أفراده، وظهر خيره، ونعم أهله، وأحاطهم الله عز وجل برعايته، وحفظهم بعنايته، وغمرهم بفضله، قال سبحانه:( كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور). فما أجمل أن نتحلى بالنزاهة في أقوالنا وأفعالنا وأخلاقنا حتى نفوز بجنة ربنا تعالى.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم ارزقنا النزاهة في القول والعمل، وزينا بالقناعة، وجملنا بالأمانة يا رب العالمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا رب العالمين.

اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما. اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).