تحمل المسؤولية

تاريخ النشر: 06-01-2016

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                           الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أثاب عباده المجتهدين، وأجزل العطاء للصابرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، تحمل في سبيل الله الصعاب، حتى بلغ رسالته، وأدى أمانته، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).

أيها المسلمون: خلق الله تعالى الإنسان، وجعله خليفة في الأرض، وزوده بقدرات كبيرة، ووهبه صفات عظيمة، ومن عليه بالعقل والإرادة، وسخر له ما في الأرض جميعا؛ ليقوم بواجب إعمارها وبنائها، قال تعالى:( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).  وحتى يحسن الإنسان أداء الأمانة التي حمله الله تعالى إياها، فلا بد أن يتمتع بالقدرة على الجلد والتحمل، والاستمرار بفاعلية في الأداء، مع المحافظة على التميز والارتقاء، والإحسان والإتقان، الذي حثنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله:« إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يتقنه». وإن الإتقان الذي يحبه الله تعالى في العمل يتطلب من الإنسان تحمل المصاعب والمشاق، والصمود لتحقيق أهدافه برغم التحديات، ومواجهة ضغوطات الحياة، وحمل النفس على المكاره والصعوبات، والتغلب على الشهوات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات».

أيها المصلون: إن القدرة على التحمل في مواجهة الضغوط والتحديات له صور كثيرة، ومجالات متعددة، فلقد تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاق والمتاعب في هداية الناس إلى الله تعالى، وصبر على إيذاء قومه طيلة ثلاث عشرة سنة، فقد آذوه أشد الإيذاء، ثم آذوه في أهله وأصحابه، وقاطعوا عشيرته جميعا؛ حتى اضطروهم إلى الإقامة في شعب أبي طالب ثلاث سنين، أكلوا فيها أوراق الشجر وهم متحملون صابرون، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرا، متحملا مثابرا، فما فارق الدنيا حتى أدى الأمانة، ووحد الناس، وحقن دماءهم، وصان أعراضهم، وحفظ حقوقهم وأموالهم، فأتم الله تعالى به الأمر، وختم به الرسالات، وهكذا يقتدي المسلم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيتحلى بالصبر والتحمل، ويقابل الإساءة بالإحسان، ويواجه الغلظة بالعفو والغفران، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم واسع الصدر، حسن العشرة، طيب القول، لطيف المعاملة، رؤوفا رحيما، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء.

وفي ذلك دروس عظيمة النفع، جليلة الفائدة في تحمل المسؤولية لكل إنسان أيا كان موقعه، فالموظف يتحمل في سبيل أداء مهامه أينما كان، والقاضي والطبيب والمهندس، والمعلم والإعلامي وإمام المسجد، والجندي والشرطي، وجميع أصحاب المهن يتحملون المسؤولية في بناء الوطن، وخدمة المجتمع وإسعاد الناس، كما يتحمل الوالدان المسؤولية في الحياة الأسرية، فيتعاملان بثبات قلب، وقوة إرادة، وحسن تدبير، للحفاظ على تلاحم الأسرة، وتماسك بنيانها، فيتحمل كل منهما ضغوط الحياة ومشاقها، مع التحلي بالصبر في تربية الأولاد، وتوجيه سلوكهم، وتصويب أخطائهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها»

أيها المسلمون: إن القيام بالمهام الكبيرة بكفاءة واقتدار؛ يبرز معنى تحمل المسؤولية، فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نماذج تحتذى في العمل بجد واجتهاد، دون كلل أو ملل، مهما كبر حجم العمل أو ثقل، قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: قال لي أبو بكر رضي الله عنه: يا زيد بن ثابت، إنك غلام شاب عاقل، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن، فاجمعه. قال زيد رضي الله عنه: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قال زيد رضي الله عنه: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال. أي أجمعه من جريد النخل والحجارة الرقيقة ومما يحفظه الرجال. فأنجز رضي الله عنه بتحمله عملا جليلا بقي أثره على مر العصور، وتوالي الدهور، وها هو القرآن الكريم نقرأه اليوم في مصحف واحد. ولقد برز معنى التحمل في مسيرة مؤسس دولتنا وباني نهضتنا الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي تحمل المسؤولية في تحقيق الأهداف السامية، ومواجهة التحديات الصعبة، حتى غدت دولة الإمارات دولة قوية الأركان، شامخة البنيان، ينعم شعبها بالسعادة والرخاء، وتفيض حضارتها بالخير والعطاء.

فاللهم احفظ إماراتنا، وبارك في قيادتنا، وأدم علينا وحدتنا وقوتنا، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعلى، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الصدق والوفا، والطهر والتقى، وعلى من تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.

أيها المسلمون: إن أولى ما نتواصى به تقوى الله عز وجل والشكر لقيادتنا الرشيدة التي تحملت مسؤولياتها في بناء هذا الوطن، وتقديم أرقى الخدمات لشعبها، فمن نعم الله علينا في دولة الإمارات أن وهبنا قيادة حكيمة رشيدة، تقيم العدل فينا، وترعى مصالحنا، وتسهر على راحتنا، وتهيئ لنا سبل العيش الكريم، في استقرار وأمان، ورخاء واطمئنان، وقد توجه صاحب السمو الشيخ/ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله بالشكر والتقدير إلى أخيه صاحب السمو الشيخ/ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي رعاه الله بمناسبة مرور عشر سنوات على حكمه وحكومته، الذي قام خلالها بتوفيق من الله تعالى باستشراف المستقبل، وتحقيق النجاحات والإنجازات، وتجاوز الصعاب والتحديات، وتشكيل فرق العمل الوطنية، وابتكار الحكومة الذكية، ورفع ترتيبها إلى مراتب الريادة، وترسيخ الوحدة الوطنية، وقيادة اقتصاد وطني قوي متوازن ومستدام، وإطلاق العديد من المبادرات الوطنية المتميزة التي تسعد الشعب، وتخدم الوطن. هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعلنا من أهل التحمل والصبر، وامنن علينا بالتوفيق لكل خير، وسهل لنا كل صعب يا رب العالمين. اللهم ارحم شهداء الوطن وقوات التحالف الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا كريم. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا رب العالمين. اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا. اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).