المهاجر من هجر ما نهى الله عنه

تاريخ النشر: 13-10-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، حثنا على حسن طاعته، وأمرنا بهجران معصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، قال سبحانه:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).

أيها المسلمون: أقبل عام هجري جديد، نسأل الله تعالى فيه التوفيق والتسديد، وندعوه سبحانه أن يديم على دولة الإمارات العربية المتحدة الاستقرار والازدهار، وأن يزيدنا من النعم والخيرات، ويغفر لنا ما قد فات، ويوفقنا لصالح العمل فيما هو آت، قال تعالى:( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا).

عباد الله: إن الهجرة النبوية الشريفة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حدث تاريخي فريد، انتهى بسياقه الزماني والمكاني، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:« لا هجرة بعد الفتح». حيث كانت الهجرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة لنصرته ومؤازرته؛ فلما كان الفتح وأظهر الله تعالى الإسلام؛ سقط فرض الهجرة. ومن أراد أن يدرك فضل الهجرة وثوابها؛ فعليه بالعبادة؛ ليستدرك به ما فاته من أجرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« العبادة في الهرج كهجرة إلي». والمراد بالهرج: الفتن، وسبب فضل العبادة فيها؛ أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها، فهنيئا لمن شغل نفسه بطاعة ربه، وأقلع عن ذنبه، وهجر خطاياه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». فما أجمل أن نهجر كل ما يغضب الله سبحانه، فذلك أفضل هجرة؛ قال رجل: يا رسول الله أي الهجرة أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم :« أن تهجر ما كره ربك عز وجل».

أيها المسلمون: لقد بقي لنا من أحداث الهجرة النبوية الشريفة أنهار تتدفق من الدروس والعبر، لينتفع منها من أراد أن يتذكر أو يتدبر، ففيها يتجلى جمال الإسلام، وتظهر عظمته، وقوة تأثيره في الأنام، بما تضمنه من القيم السامية، والمبادئ العالية، التي أثرت في القلوب، ففتحت أقفالها، وخاطبت العقول فأسرتها، قال قائل قريش يصف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ نعم هذه هي صورة الإسلام الناصعة، ودعوته الحسنة، التي ارتسمت في الأذهان، قال سبحانه:( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين). فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الأخلاق الفاضلة بالحكمة واللين، والقول الطيب للناس أجمعين، عملا بقول الله عز وجل:( وقولوا للناس حسنا). وبالرحمة نشر رسول الله صلى الله عليه وسلم  رسالته بين العالمين، قال تعالى:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

فيا لها من رسالة رحيمة، تحمل الخير والعدل للإنسانية، وتنشر المحبة والسلام في البشرية، وتحقن الدماء بعد استباحتها، وتجمع الكلمة بعد تفرقها، وتنزع من القلوب أحقادها وضغائنها، وتنهي العداوات والخصومات، ليعيش الناس آمنين، وعلى الخير والبر متعاونين، قال تعالى:( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا). ولكن المتطرفين اليوم؛ قد أساءوا إلى مبادئ الإسلام السمحة، وشوهوا مفاهيمه الراقية، فجعلوا شعارهم سفك الدماء، وزرع البغضاء، وتدمير البناء، وتمزيق الأوطان، وارتكاب الجرائم بحق الإنسان، فأين هم من هدي الإسلام السمح العظيم؟ وأين هم من المعاني النبيلة للهجرة النبوية الشريفة؟.

أيها المصلون: ونستلهم في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة التفاؤل والأمل، والأخذ بالأسباب، والثقة بالله تعالى والتوكل عليه، مهما اشتد البلاء، وعظم الكرب والعناء، فبالإعداد والأمل وحسن العمل يصنع الإنسان الأمجاد، ويتغلب على الصعاب، ويرتقي إلى واقع أحسن، ومرتبة أفضل، ويحقق النجاح وإن عظمت التحديات، أو كثرت العقبات، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخرج وقد أحاطت به المخاطر، ومع ذلك كانت ثقته بنصر الله عز وجل وتأييده راسخة رسوخ الجبال، ولما انقطعت الحيل، وضاقت السبل، ووصلت قريش إلى الغار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معه في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فقال صلى الله عليه وسلم :« يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما». فسطر القرآن الكريم هذا الموقف الخالد لنبينا العظيم صلى الله عليه وسلم لنتعلم الثقة واليقين برب العالمين، قال تعالى:( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم).

أي إن الله تعالى ناصر رسوله صلى الله عليه وسلم وهازم أعداءه، ومظهر دينه، فاللهم انصر جنود التحالف العربي، واكلأهم برعايتك، واحفظهم بحفظك، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن ديننا ينشر السلام والأمان، ويؤكد عليه في كل زمان ومكان، وقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ حين وصل إلى المدينة المنورة، فكان أول ما قال عليه الصلاة والسلام:« يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».

وكذلك أرسى مبدأ التعايش، وثقافة التسامح؛ من خلال وثيقة المدينة، وفي هذا السياق أصدر صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله قانون نبذ الكراهية، لمنع الإساءة إلى أي دين من الأديان أو أحد شعائره أو مقدساته، أو الاعتداء على أي من الكتب السماوية بالتحريف أو الإتلاف أو التدنيس بأي شكل من الأشكال، أو التطاول على الأنبياء والرسل أو زوجاتهم وآلهم، أو أصحابهم، أو السخرية منهم، ونص القانون على تجريم الإساءة إلى دور العبادة أو إتلافها أو تخريبها، وكذلك المقابر ومحتوياتها وملحقاتها، وذلك بقصد الحفاظ على النسيج المجتمعي الواحد، والتأكيد على التعايش والوئام، فديننا يحث على القول الجميل، والفعل النبيل، مع القريب والبعيد، والشقيق والصديق، ويدعو إلى حفظ الاستقرار، وصيانة مبادئ السلام، ومنع كل ما يضر الأفراد والمجتمعات والأوطان.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم ارزقنا محبة نبيك صلى الله عليه وسلم وحسن الاقتداء به والاستفادة من سيرته الطاهرة الزكية، ووفقنا لطاعتك، وهجرة معصيتك يا رب العالمين.

اللهم ارحم شهداء الوطن الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا غفار.

اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، اللهم تقبل شهداء الإمارات والسعودية والبحرين والمغرب في عليين مع النبيين والصديقين، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).