القراءة أساس الحضارة

تاريخ النشر: 21-09-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، افتتح بالقراءة وحيه المبين، وأمر بها نبيه الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، معلم الأولين والآخرين، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، قال سبحانه:( واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم).

أيها المسلمون: إن القراءة مفتاح المعرفة والعلم، وطريق التقدم والرقي، وما من أمة تقرأ إلا تبوأت موضع الريادة، وحازت الصدارة، لذلك فالقراءة في الإسلام لها مكانة رفيعة، ومنزلة كريمة، فكانت أول كلمة نزلت، من أول آية تليت، قوله تعالى:( اقرأ باسم ربك الذي خلق). فكانت هذه الآية الكريمة أول نور نزل من السماء لينشر الضياء، ويبدد الظلماء, وأول رحمة رحم الله تعالى بها العباد، وأول نعمة أنعم الله عز وجل بها عليهم. حيث فتحت آفاق المعرفة، وأبواب العلم، وقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم على نشر القراءة والكتابة في مجتمعه، فجعل فداء الأسير في بدر أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وهكذا غرس الإسلام حب القراءة في قلوب المسلمين غرسا عميقا، فأحبوها حبا عظيما، حتى كان الكتاب أحب إلى أحدهم من طعامه وشرابه، يقول أحد العلماء: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره فكأني وقعت على كنز، فلو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر.

وحرصوا على اصطحاب الكتب واقتنائها، وحملوها معهم في أسفارهم. فهذا أحدهم يوصي صديقه قبل السفر، فيقول: استعن على وحشة الغربة بقراءة الكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة.

ويقول آخر مبينا فضل الكتاب: هو أكرم مال، وأنفس جمال, وآمن جليس, وأسر أنيس.

عباد الله: إن للقراءة فوائد جليلة، وآثارا عظيمة، فهي وسيلة العلم، وسبيل المعرفة، ومن خلالها يكتسب الإنسان العديد من الأفكار التي تأخذ بيده إلى التطوير والإبداع، ومن قرأ تعلم، ونال أعظم الفائدة والفهم، فالقراءة ترفع أهلها، وتعلي قدر أصحابها، وتقدمهم على غيرهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الكتاب من أصحابه، فهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه قدم على كثير من الصحابة، وصار كاتبا للوحي، ومترجما للرسائل.

والقراءة غذاء للعقل، ولذة للقلب، ولا يخلو كتاب من فائدة، قال الخليفة المأمون: لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال. أي في كتبهم. فالقراءة من أهم وسائل نقل ثمرات العقل البشري وآدابه وفنونه ومنجزاته ومخترعاته، وهي توسع مدارك القارئ، وتكسبه علما وحكمة، وتنمي من مهاراته، وتزيد من خبراته، كما أنها تهذب الأخلاق، وتقوم السلوك، قال الحسن البصري: كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وزهده ولسانه وبصره. فالقارئ يتأثر بما يقرأ من سير الصالحين، وهمم المجتهدين، فتعلو همته، وتقوى عزيمته، قيل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، لو خرجت فجلست مع أصحابك، قال: إني إذا كنت في المنزل جالست أصحاب رسول الله محمد. يعني قراءة الكتب. فمن أراد أن يجالس عالما أو مفكرا أو مخترعا فليقرأ كتبه، ففيها خلاصة علمه، وعصارة عقله، وكل يختار من الكتب ما يلزمه، وينتقي ما ينفعه، قيل للإمام مالك رحمه الله تعالى: ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك فالزمه.

أيها المصلون: إن خير ما يقرأ، وأول ما يتلى؛ كتاب الله تعالى؛ قال عز وجل:( فاقرؤوا ما تيسر من القرآن). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». فهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، ومن ذلك أيضا أن نقرأ سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، لنستلهم منها العبر والدروس، ونأخذ منها القدوة والأسوة، قال سبحانه:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). وقراءة الكتب التي تتحدث عن الوطن وتاريخه ومؤسسيه، من أهم القراءات، فهي تغرس في نفوس أبنائنا حب وطنهم، والتضحية من أجله، وتقدير منجزاته، والحفاظ على مقدراته، واستكمال نهضته، وبناء حضارته، متسلحين بالعلم والمعرفة. ومن ذلك الاطلاع على كتب المعرفة المختلفة التي لا يستغني عنها الناس في حياتهم، وكذلك كتب التراث، فهي كتب عظيمة، خلفها الأجداد، هي عصارة عقولهم لقرون عديدة، وثمرة جمعهم وسهرهم لآماد طويلة، وإن لغتنا هي اللغة العربية، وهي لغة حياة نعيشها، تعبر عنا بمختلف حالاتنا، وإن المحافظة عليها مسؤولية وطنية ودينية وأخلاقية.

فاحرصوا أيها الطلاب على الجد والاجتهاد، وانهضوا للقراءة بهمة عالية، واجعلوا بدايتكم جادة مشرقة، مستعينين بربكم، متوكلين عليه، فمن توكل على الله يسر دربه، وسهل أمره، ولنعلم -أيها الآباء- أن البيت يضع اللبنة الأولى في تنشئة الأبناء، وتنمية عقولهم، فيجمل بنا أن نغرس في أبنائنا حب القراءة، ونحثهم على استغلال أوقاتهم فيها، ونوفر لهم البيئة التي تعينهم على ذلك، وندعو لهم بالتوفيق والسداد، قال الله تعالى:( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما). فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن لنا تاريخا طويلا مزهرا من القراءة والعلم والثقافة والحضارة, زاخرا بنفائس الكتب والمؤلفات، وانطلاقا من ذلك فقد شيدت قيادتنا الرشيدة المدارس والجامعات، وأسست المجامع العلمية والمكتبات، ووفرت أسباب القراءة النافعة؛ بإقامة معارض الكتاب في كل عام. وفي هذا الإطار من اهتمام حكومتنا الرشيدة بالعلم والتقدم المعرفي؛ أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أكبر مشروع عربي لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي بعنوان "تحدي القراءة العربي" يهدف إلى إبراز جيل متفوق في مجال الاطلاع والقراءة والمعرفة. فما أجمل أن نغرس في نفوس أبنائنا وطلابنا الرغبة في القراءة والمطالعة، ففي ذلك غرس لأسس التقدم والتفوق العلمي والحضاري لبلداننا، وبناء أجيال محبة للقراءة، شغوفة بالبحث والاطلاع.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب العلم والمعرفة، ووفق أولادنا لكل خير، ويسر لهم سبل القراءة، واشرح صدورهم للعلم والفهم يا رب العالمين. اللهم ارحم شهداء الوطن الأبرار، وأنزلهم منازل الأخيار، وارفع درجاتهم في عليين مع النبيين والصديقين، يا عزيز يا غفار. اللهم اجز خير الجزاء أمهات الشهداء وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا، وألهمهم الصبر والسلوان، اللهم تقبل شهداء الإمارات والسعودية والبحرين والمغرب في عليين مع النبيين والصديقين، اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء والاستقرار يا أكرم الأكرمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما. اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).