الوقاية من الفتن

تاريخ النشر: 20-07-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه على نعمة الإسلام، وهبة الإيمان، ونشكره على وافر المنن، ونعوذ بنور وجهه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم).

أيها المؤمنون: إن نعم الله تعالى على عباده كثيرة، ومننه وفيرة، ومن أجلها مواسم الطاعات، التي جعلها وسيلة لرفعة الدرجات، ومغفرة السيئات، وتزدهر مواسم الخيرات عندما يقبل الإنسان على كتاب ربه، فيتلوه ويعمل به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يا حذيفة اقرأ كتاب الله واعمل بما فيه». كما تزداد حينما ينعم الإنسان بالاستقرار في الأوطان، فيعبد ربه باطمئنان، ويعيش في مجتمعه بأمان، فنشكر الله تعالى على هذه العطايا والمنن، ونسأله أن يقينا الشرور والفتن، فإن الحياة دار تمحيص وابتلاء، لمن أحسن فيها أو أساء، فالكل في ميدان الاختبار سواء، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الفتن المهلكات، وأمرنا باجتنابها فقال :« ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به». وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من شرور الفتن، ويأمر أصحابه بالتعوذ منها فيقول:« تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن».

وأشد الفتن؛ وأقوى المحن: أن يفتتن المرء في دينه، ويمتحن في علاقته بربه، فيضل بعد الهدى، ويسلك مسالك التطرف والردى، فكان صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى حسن لقائه من غير فتنة مضلة فيقول:« اللهم... أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:« ولا تجعل مصيبتنا في ديننا». وما ذاك إلا لأن الفتن تصيب العقول والقلوب، فيحتار فيها الحليم، ويجادل فيها الخصيم، فكم من رجل جرته الفتن، وضللته الأفكار، فأساء وجار، وما ذلك إلا لفساد رأيه، وسواد سريرته، وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:« تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا- أي الحجر الأملس- فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه». قال القاضي عياض: تشبيهه بالحجر الأملس لشدة إيمانه، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تؤثر فيه، وشبه القلب الذي لا يعي خيرا بالإناء المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه.

أيها المصلون: لقد وجهنا الإسلام إلى الطريق المستقيم، ونهانا عن الخوض في الفتن، والاقتراب من المحن، ليحفظ الله تعالى لنا الدين والدنيا، وأرشدنا إلى سبل النجاة والعصمة؛ قال تعالى:( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). ومن أهم أسباب الوقاية من الفتن؛ التدبر والتفكر في آيات القرآن الكريم وحكمه ومواعظه، ففيها الهدى والنجاة، وفيها العصمة والثبات، ونقرأ قول الله عز وجل:( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا* وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا). وهذا شأن من يروج للشائعات، وينشر الأكاذيب والافتراءات، ففي الآية أمر لنا أن نرد الأمور إلى الحاكم، فهو أدرى بسياستها، وأعلم بحلها، وفي ذلك وأد للفتن، ومنع للفوضى، ولذلك أمرنا ربنا جل وعلا بطاعة الحاكم وولاة الأمر؛ فقال سبحانه:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). ففي الاستجابة لشرع الله الحنيف بمنهجه الوسطي المعتدل، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعا مبنيا على العلم الصحيح والفهم السديد؛ أمان من كل فتنة، وعصمة من كل زلة، قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون* واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب). ففي الوعي نبراس للبصائر، وحصانة للأفهام والعقول، وما من أمة انتشر فيها العلم إلا تبوأت أعلى المنازل، وتحصن أفرادها، وازدهر حاضرها ومستقبلها، ومن خالف هدي الإسلام، واتبع الأفكار المتطرفة والآراء الضالة المنحرفة، فقد سعى إلى الفتنة؛ قال عز وجل:( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

أيها المسلمون: إن الفتن إذا أقبلت كانت كالسيل يجرف كل شيء معه، قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم والفتن لا يشخص لها أحد، والله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن. أي آثار الناس والأنعام. فلا ينجو إلا من كانت له جذور ثابتة من إيمان راسخ، وأخلاق مستقيمة، وتربية مستنيرة، وهنا يتجلى دور الآباء في متابعة أبنائهم، وتعميق مبادئ الوسطية والاعتدال لديهم، وغرس حب الوطن في قلوبهم، فقد حبانا الله تعالى ببلاد ذات قرار ومعين، فلنحمد الله سبحانه على ذلك، ونلزم السداد فيها والمحافظة عليها، فذلك مما يعزز التلاحم الوطني والمجتمعي ويقي من الفتن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة». وبحبوحة الجنة أي وسطها.

فاللهم احفظنا واحفظ بلادنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن تمحيص الفتن لا يعقله إلا أهل العلم، ويدركه أهل الحكمة والعقل، ولذلك يجب على المسلم أن يعتصم بهدي الله تعالى الآمر بالالتفاف حول الحاكم لما في ذلك من وحدة للصف، ورفعة للوطن، وتلك من أسباب الوقاية من الفتن، ومن سبل حلول النعم والاستقرار، والعيش المطمئن، والمضي قدما على طريق التقدم والرقي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن السعيد لمن جنب الفتن». فما أجمل التمسك بطاعة الله تعالى ورسوله والحاكم، والاجتهاد في رفع راية الوطن، والعمل المثمر لأجله، والدعاء له بالحفظ والازدهار.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).