الاعتدال

تاريخ النشر: 23-06-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، جعل حفظ العقل من مقاصد الدين، وحث على الفكر القويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، إمام المتقين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).

أيها المسلمون: في رمضان ترق القلوب، ويقبل الناس على عبادة علام الغيوب، فيجتهدون في طاعاتهم، ويحرصون على مرضاة ربهم،

ويحضرون دروس العلم ليتفقهوا في دينهم، وإن الله جل وعلا شرع الدين، وفرض الفرائض لتستنير عقول الناس، وتستقيم أفكارهم، فالعقل من أعظم النعم الربانية، يتوصل به الإنسان إلى معرفة العلوم النافعة، وإقامة الحياة الطيبة، وتحقيق الإنجازات الراقية، فالعقول ثروة الأمم، وذخيرة الأوطان، وهي وسيلة لفهم الشرع الحنيف، قال الله تعالى:( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون). فقد أنزله الله تعالى عربيا لنعقله ونتفهمه، ونتدبره، ونستنبط علومه، ولا يكون ذلك إلا بالعقل السليم الذي يرتقي بالفكر.

عباد الله: إن الفكر السليم له خصائص متعددة، منها: الاعتدال ومراعاة التوازن والتوسط، والبعد عن الغلو والتطرف، قال الله جل وعلا:( وكذلك جعلناكم أمة وسطا). وأمة الوسط عقولها واعية، وأفكارها راقية، تحرص على تحقيق المصالح العليا، والغايات الكبرى، باستقامة واعتدال، دون تطرف أو غلو، قال الله عز وجل:( فاستقم كما أمرت). أي: التزم بشرع الله تعالى بدون إفراط ولا تفريط.

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو بمختلف صوره، ودعانا إلى انتهاج السهولة والتيسير، والبعد عن التشدد والتعسير فقال صلى الله عليه وسلم :« يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا».

ومن ثمرات الفكر المعتدل حلول الاستقرار، وحفظ الأوطان من الفتن والأخطار، والمحافظة على الوحدة والتلاحم، ونشر التسامح والتراحم، وتحقيق التعايش السلمي، وصون الدماء والأعراض والأموال، وقد أمرنا ربنا أن نشكره سبحانه على نعمة الاستقرار فقال تعالى:( فليعبدوا رب هذا البيت* الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

أيها المصلون: إن وسائل تعزيز الفكر المعتدل في المجتمع كثيرة، وأهمها: التمسك بسماحة ديننا الحنيف، وثوابته النيرة، وحضارته الأصيلة، والاعتزاز بمبادئه الناصعة السامية، واتباع منظومته الثقافية المعتدلة المستمدة من كتاب ربنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل:( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم). ومن يستمسك بعروة الإسلام الوثقى فعليه أن يخلص نيته لله تعالى، ويتحرى ما يرضيه، فيكون الحق مقصوده، والصواب مراده، فإن ذلك مما يعزز الفكر المعتدل السليم، وقد مدح الله تعالى الذين يطلبون الحق ويتبعونه فقال سبحانه:( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب). وأولو الألباب هم أصحاب العقول المتفتحة والأفكار المتوازنة يتحلون بالتواضع، ويبتعدون عن العجب والغرور، ويجتنبون الكبر، تلك الآفة العظيمة، التي تؤدي إلى رفض الحق، واحتقار الخلق ترفعا وتجبرا. وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

والحق أحق أن يتبع، فجدير بالمسلم أن يتبعه، ويعظم شرع الله تعالى، فلا يخوض فيما ليس له به علم، قال تعالى:( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).

أيها الصائمون: لقد أمرنا ربنا عز وجل بالتثبت من الأخبار، وعدم اتباع الشائعات، فقال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). وقال سبحانه مؤكدا على ذلك:( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). وهذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. فتجنب الشائعات يعزز الفكر المعتدل في المجتمع، وتلك مسؤولية مشتركة، فالأسرة مسؤولة عن أولادها، بتنشئتهم تنشئة سليمة، والارتقاء بوعيهم وثقافتهم، وترشيد عواطفهم، وإرشادهم إلى الطرق المأمونة في استخدام التقنيات الحديثة، وتحصينهم من الأفكار الدخيلة التي تضرهم، والمعلمون مسؤولون عن تلاميذهم، بتزويدهم بالعلم النافع، والخلق القويم، والتفكير السليم، والوعي الناضج المتزن، والعلماء والمثقفون والإعلاميون مسؤولون عن نشر التوعية السليمة، والتصدي للثقافات المضللة التي تضر بالفكر والاستقرار، وهذا من التعاون على البر والتقوى، قال الله عز وجل:( وتعاونوا على البر والتقوى). ومن شأن هذا التعاون أن يقف سدا منيعا أمام الشعوذة والخرافات، والفاسد من الثقافات، فإنها تضر الأفراد والمجتمعات، وتهدم الاستقرار والسلام، وتنشر الشرور والفتن.

فاللهم املأ قلوبنا بالإيمان، وارزقنا الفهم والسداد، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد خطت خطوات واسعة في سبيل تحصين الفكر المعتدل، فضبطت الخطاب الديني، وأعلت من قيم الاعتدال والوسطية والسماحة، وأرست دعائم التعايش السلمي، ونشر العلم الصحيح، وشجعت على الارتقاء في التعليم، ووضعت مرجعية دينية معتمدة، تحقيقا لقوله تعالى:( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). فحري بالمسلم أن يستفيد من هذه المرجعية المستنيرة.  

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم متعنا بعقولنا، وسدد أفهامنا، وارزقنا العافية والمعافاة في قلوبنا وأبداننا، وارض عنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).