ولتنظر نفس ما قدمت لغد

تاريخ النشر: 02-06-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

    الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، جعل الدنيا زادا، والآخرة معادا، أحمده سبحانه حمد الشاكرين الذاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وقابل التائبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، إمام المتقين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). وقال عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: إن من آيات الله تعالى تعاقب الليل والنهار، ومضي السنين والأعمار، وفي ذلك أبلغ عبرة، وأجل عظة لأولي الألباب والأبصار، قال الله تعالى:( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا). أي: جعل كلا من الليل والنهار يخلف صاحبه، ويأتي بعده، ليستطيع من فاته شيء من الخير بالليل أن يتداركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار أن يتداركه بالليل. وقد جعل الله سبحانه الدنيا مزرعة للآخرة، وجعل العمل الصالح فيها تجارة رابحة، قال الله جل وعلا:( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا). فهنيئا لمن اغتنم أوقاته، واستدرك ما فاته، وأخذ من حاضره لمستقبله، فكان في سعي دؤوب في طاعة ربه، والرقي بنفسه، ونفع أسرته ومجتمعه ووطنه.

عباد الله: إن السعيد من حاسب نفسه، وراجع عمله، فإن رأى خيرا حمد الله واستكثر، وإن رأى غير ذلك بادر بالتوبة واستغفر، فباب الخيرات مفتوح، وطريق الإنابة ممهد ميسور، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، قال تعالى:( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية). فمن حاسب نفسه استقامت أحواله، وصلحت أعماله، لأنه أيقن أن الله تعالى أحصى أعمال العباد، ووعدهم أن يجزيهم بها يوم المعاد، قال سبحانه:( وكل شيء أحصيناه كتابا) أي: كتبنا على الناس كل شيء عملوه، وسنجزيهم بما فعلوه، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. وقال جل وعلا مقررا هذا المعنى:( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد).

أيها المصلون: إن من الاستعداد للآخرة استثمار الأعمار، وتقدير قيمة الأوقات، والنظر فيما قدمه المرء لآخرته، فإن العمر بضاعة يسيرة، يسافر بها إلى دار البقاء، والتسويف والتأجيل يحرمه من اغتنام الصالحات، فالإنسان قد يمني نفسه بالعمل، فيحول دونه الأجل، قال جل شأنه:( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين* ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون).

ووعظ النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال له:« اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». فما أحوج الإنسان إلى استثمار يومه، فيعمره ما استطاع بكل نافع ومفيد، فقد ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.

عباد الله: إن الإنسان عرضة للخطإ والزلل والنسيان، قال الله تعالى:( وخلق الإنسان ضعيفا). وقال النبي صلى الله عليه وسلم:« كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». والعاقل ينمي ما عنده من خير، ويكمل ما عنده من نقص، فإذا قصر في حق ربه بادر بالاستغفار، ولجأ إلى الله سبحانه تائبا، ولرحمته راغبا، وإذا قصر في حق أهله وأرحامه بادر إلى برهم وصلتهم، ووصل ما انقطع، وإذا ظلم أحدا في شيء استحله منه، وطلب عفوه ومسامحته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه».

وهكذا حال المؤمن يجبر الثغرات، ويصلح ما فات، ليكون مستعدا بذلك لأخراه، متأهبا لموقف العرض الأكبر بين يدي الله، ففوزا لمن استعد لهذا الموقف الجليل، فراعى حقوق الله كما أمر، وأدى حقوق البشر، واستكثر من الخيرات، وابتعد عن السيئات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة».

فاللهم نور قلوبنا، وعمر بالطاعة أوقاتنا، واغمرنا بالخيرات، وألهمنا السداد في ديننا ودنيانا، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن العلم أساس رقي الإنسان، وهو من أفضل ما تستثمر فيه الأوقات، لأنه ينير البصائر، ويوسع المدارك، ويرفع شأن صاحبه، ويعينه على خدمة دينه، ورد الجميل لوطنه، فاحرصوا أيها الأبناء وأنتم على أبواب الاختبارات أن تقووا عزائمكم، وتجتهدوا في مذاكرتكم، وتأخذوا بأسباب النجاح والتفوق، وقد قال الحكماء: من جد وجد، ومن زرع حصد، واعلموا أنكم رجال الغد، ولبنة المجد، وثروة غالية لمجتمعكم ووطنكم بمواهبكم وعلمكم، فاجتهدوا وثابروا، واستعينوا بربكم، فمن توكل على الله وفقه وسدده، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». ويجمل بالآباء أن يعينوا الأبناء على التميز، بتهيئة البيئة المناسبة لهم، وتشجيعهم وتنمية الرغبة لديهم في التفوق، مع تذليل الصعاب والدعاء لهم بالخير، ليكونوا قرة أعين لهم، ويسعدوا بهم في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه:( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما).

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وأعنا على طاعتك وحسن عبادتك، ووفق أبناءنا للخير والسداد، ويسر لهم سبل النجاح والتفوق يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).