من سير أمهات المؤمنين

تاريخ النشر: 27-05-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه:( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا).

أيها المسلمون: اختار الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أكرم النساء, وأعلاهن قدرا, وأجلهن شأنا، وأرفعهن منزلة، فجعلهن أمهات للمؤمنين، قال الله تعالى:( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم). ولهن خصوصيات ليست لغيرهن في الفضل والمقام؛ قال عز وجل:( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء).

وكان لكل واحدة من زوجاته صلى الله عليه وسلم مناقب جليلة، ومآثر كريمة، فمنهن السيدة خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، أول الناس إسلاما، فعندما جاء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء رجع فدخل عليها وأخبرها صلى الله عليه وسلم الخبر، فصدقته وآمنت به، وقالت: كلا والله ما يخزيك الله أبدا... ثم انطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل، فقالت له: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى. فكانت له خير سند ومعين، تؤازره وتناصره، وقد شهدت معه صلى الله عليه وسلم مواقف شديدة، فثبتت وصبرت، وكانت رضي الله عنها قدوة رائعة للزوجة الوفية، التي تقف مع زوجها في شدائده، وتشاطره أحزانه، وتواسيه في مصائبه، وتشد من أزره، وتقوي عزيمته في مواجهة الصعوبات والملمات، وسيرتها العطرة أنموذج فريد راق للزوجة الصالحة، التي تحافظ على استقرار بيتها، وتبذل كل وسعها لإسعاد أسرتها، وكافأها الله عز وجل، وبشرها ببيت في الجنة من قصب- أي لؤلؤ- لا صخب فيه ولا نصب، وأمر جبريل عليه السلام أن يقرئها السلام منه.

وكان النبى صلى الله عليه وسلم وفيا لها في حياتها وبعد موتها، يذكرها ويثني عليها بقوله:« قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء». وعلى مثل هذا فليكن البيت المسلم تضحية ووفاء، وبذلا وعطاء، فتعيش الأسرة في سعادة واستقرار، وراحة واطمئنان.

أيها المصلون: ولئن سألنا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فهي الصديقة بنت الصديق، اختارها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سموات، قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة -أي قطعة- من حرير فيقول: هذه امرأتك. فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه». وكانت أحب الناس إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم فعن عمرو بن العاص أنه قال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال:«عائشة». وأثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا مكانتها السامية، ودرجتها العالية؛ فقال:« فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». ودعا لها صلى الله عليه وسلم فقال:« اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، ما أسرت وما أعلنت».

وكانت رضي الله عنها صوامة قوامة، عابدة زاهدة، كريمة سخية، ومن أعلم الناس وأفقههم، فهي مرجع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا استعصى عليهم أمر، قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. وقد وهبها الله عز وجل الذكاء والفطنة، وسرعة الحافظة، وقد جمعت الكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانت رضي الله عنها قدوة لطلبة العلم أن يجتهدوا ويتحروا المصادر الصحيحة والأفهام النقية، كما أنها أسوة للمرأة المتفقهة في دينها، الواعية لمتطلبات عصرها، تنفع نفسها وأسرتها ومجتمعها على علم وبصيرة. فرضي الله عنها وعن أبيها.

عباد الله: ومن زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبة الرأي الرشيد السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية، عرفت بحكمتها، وسداد رأيها، ومن ذلك أنه لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية أمر أصحابه بالتحلل من العمرة والرجوع إلى المدينة، فشق ذلك عليهم، وخافوا أن يضيع أجرهم وينقص ثوابهم، فامتنعوا عن التحلل من الإحرام، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه وتحلل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا. فأنعم بالعقل من نعمة، وهل تساس الأمور إلا بالحكمة؟ فحري بالمرء أن يجعل العلم قائده، والعقل رائده، والحكمة مطلبه، فيسعد ويهنأ، قال الله سبحانه:( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا). وقد أوتيت أم المؤمنين أم سلمة من الحكمة حظا وافرا؛ فاللهم ارض عنها وعن سائر أمهات المؤمنين الأطهار الأبرار، وعن آل بيت النبي المختار، وارزقنا حبهم وبرهم ومودتهم، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا بمنزلة الأب، بل أكثر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« إنما أنا لكم بمنزلة الوالد». وأزواجه أمهات المؤمنين، وقد قال الله تعالى:( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) أي: أن تحسنوا إليهم وتبروهم. وأوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه وأهل بيته خيرا، فقام خطيبا قبيل موته.. فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال:« أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتى رسول ربى فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»... ثم قال:« وأهل بيتي؛ أذكركم الله في أهل بيتي». فسئل زيد بن ثابت رضي الله عنه: ومن أهل بيته؛ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته.

فلهن منا التوقير والتبجيل، ومن كل مؤمن يحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولنا فيهن قدوة حسنة، وأسوة كريمة، فقد قدمن أروع الأمثلة للإنسانية في الخصال الراقية، والأخلاق العالية، والتسابق في ميادين العلم والجود والعطاء والتسامح، وإبراز الدور الأساس للمرأة المسلمة في بناء الحضارة والرقي بها، فرضي الله عنهن وأرضاهن.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).