رب اشرح لي صدري

تاريخ النشر: 28-04-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي شرح صدور المؤمنين، وطمأن قلوب الذاكرين، وأنار طريق الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، قال تعالى:( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون).

أيها المسلمون: إن انشراح الصدر واطمئنان القلب من أعظم المقاصد وأنفس الغايات، فكل إنسان يسعى في دنياه إلى طلب السعادة والاستقرار، واجتناب الهموم والأكدار، ولذا كان من أخص دعاء موسى عليه السلام في مناجاة ربه أنه قال:( رب اشرح لي صدري) أي وسعه لي ونوره بالإيمان. وهي النعمة التي امتن الله تعالى بها على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال له:( ألم نشرح لك صدرك). وانشراح الصدر مفتاح النجاح، فمن شرح الله صدره طابت نفسه، وقويت عزيمته، واستقام أمره في دنياه وآخرته، ومن ضاق صدره؛ تنغص عيشه، واضطرب حاله، وقد ذكر الله تعالى المسلمين بهذه النعمة؛ فقال عز وجل:( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه). وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله تعالى هذا المطلب العظيم، فكثيرا ما كان يدعو الله سبحانه قائلا:« اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن».

عباد الله: لا يخلو الإنسان من كدر يصيبه، أو بلاء ينزل به، فمن ابتلي بما يكدر صفوه ويضيق صدره؛ فعليه باللجوء إلى الله تعالى، فبين يديه تنجلي الكروب، وتنفرج الأزمات، وتنشرح الصدور، وتنحل العقد، وما نزل ضر بعبد فلجأ إلى ربه بصدق وإخلاص إلا انفرج همه، وانشرح صدره، والصلاة هي أعظم صلة بين العبد وربه، فهي راحة للنفوس، وحياة للقلوب، وسبب للسعادة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:« يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها». فالصلاة سكينة للروح، وانشراح للصدور، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر- أي نزل به أمر أو أصابه غم- صلى. فبمناجاة الله تعالى ينشرح الصدر، وبقربه يأنس القلب، ولا سيما في قيام الليل، حين يخلو المؤمن بربه، فيشكو له همه، ويبثه ما أغمه، فلا ينصرف المرء من صلاته؛ إلا وقد شرح الله تعالى له صدره، وأراح قلبه، قال جل ذكره:( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا).

فالسجود والتسبيح بحضور القلب واستشعار القرب؛ من أسباب انشراح الصدر وراحته وسعادته، وقد أوصى الله تعالى بهما رسوله صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه:( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون* فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين).

والدعاء من مفاتيح انشراح الصدر، وتفريج الهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فى حكمك، عدل فى قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا». قيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال:« بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها».

عباد الله: ومن أسباب انشراح الصدر ذكر الله تعالى، فمن واظب على ذكر ربه، نور بصيرته، وطمأن قلبه، وأصلح شأنه، قال سبحانه:( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب). ومن أجل الأذكار التي تبعد الهموم، وتشرح الصدور، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد بشر صلى الله عليه وسلم من أكثر من الصلاة عليه بانشراح الصدر، وانجلاء الهم، ومغفرة الذنب؛ فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ أي من دعائي، فقال:« ما شئت». قلت: الربع؟ قال:« ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت: النصف؟ قال:« ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت: فالثلثين. قال:« ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال:« إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك».

أيها المسلمون: إن الرضا بما قدره الله تعالى والقناعة بما قسم؛ من أعظم أسباب انشراح الصدر، وراحة النفس، ومن أحسن الظن بربه؛ أيقن بأن الخيرة فيما اختار له، فلم يأسف على ما فات، وعمل واجتهد لما هو آت، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان».

أيها المصلون: إن مما يورث سرورا في القلب، وانشراحا في الصدر، ويطرد الهموم والأحزان، أن يحيا المسلم في مجتمعه متحليا بالسلوكيات الإيجابية، فيحسن إلى الخلق، بصنع المعروف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وجبر القلوب المنكسرة، والعناية بالأرامل والأيتام والضعفاء والمساكين، قال تعالى:( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

ومما يعين على ذلك أيضا: طلاقة الوجه، وطيب الكلام، وسلامة الصدر من الأحقاد والضغائن، والتحلي بالتسامح والصفح والعفو، يقول الشاعر:

لما عفوت ولم أحقد على أحد  أرحت نفسي من هم العداوات

فاللهم ارزقنا نفوسا مطمئنة، وصدورا منشرحة، وقلوبا راضية، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من أعظم القربات وأفضلها حماية الوطن وحراسته، وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم حراس الوطن وحماته بالفوز بالجنة، والنجاة من النار، فقال صلى الله عليه وسلم :« عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». وفي ذكرى توحيد قواتنا المسلحة التي نعتز بها ونفتخر، ندعو الله تعالى أن يبارك في رجالها البواسل ويجزيهم خير الجزاء على جهودهم المباركة في الحفاظ على الوطن واستقراره، وأن يشملهم برعايته، ويكلأهم بعنايته، فهو نعم المولى ونعم النصير.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اشرح صدورنا، وفرج همومنا، ونور قلوبنا، ويسر أمورنا، واغفر ذنوبنا، ووفقنا لكل خير تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين. اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما. اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).