الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ

تاريخ النشر: 16-06-2009

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 

الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ الَّذي جعلَ الحياءَ مِنْ أعظمِ أخلاقِ الإسلامِ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ جلَّ جلالُهُ :(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم:« إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ»([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.

أمَّا بعدُ: فإنِّي أُوصِيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)([3])

عبادَ اللهِ: إنَّ شأنَ الأخلاقِ فِي الإسلامِ عظيمٌ، فهيَ حصنُ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ، وقدْ حثَّ دينُنَا الحنيفُ علَى الخُلقِ الحسنِ, واعتبرَهُ مِنْ أثقلِ الأشياءِ فِي ميزانِ العبدِ يومَ القيامةِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ»([4]).

وجعلَ الإسلامُ حُسْنَ الخلقِ معيارَ الإيمانِ وعلامتَهُ، وجعلَ لحسنِ الخلقِ ميزاناً وعلامةً بهِ يقاسُ ويعرفُ، ألا إنَّ ذلكُمْ هوَ الحياءُ الَّذِي عدَّهُ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم شعبةً مِنْ شُعبِ الإيمانِ، وجزءًا عظيمًا مِنْ أجزائِهِ, قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:« الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ »([5]) والحياءُ زينةُ الأخلاقِ يرفعُ منْ شأنِ صاحبِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الْحَيَاءُ فِى شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ »([6]).

 أيُّها المسلمونَ: إنَّ الحياءَ كلَّهُ خيرٌ، ولاَ يأتِي إلاَّ بخيرٍ في أمور الدين والدنيا، قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:« الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ»([7]) وقالَ صلى الله عليه وسلم:« الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ »([8]) وهوَ مرتبطٌ بالإيمانِ؛ فمَنْ نقصَ حياؤُهُ لَمْ يكمُلْ إيمانُهُ فعَنِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُمَا- قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الْحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ »([9]).

وهوَ سِياجٌ منيعٌ مِنَ الوقوعِ فِي المعاصِي والمحرَّماتِ، وهوَ علامةُ حياةِ القلبِ، لأنَّ اقترافَ القبائِحِ والمنكراتِ يُذهِبُ الحياءَ، ويدلُّ علَى موتِ القلبِ، قالَ صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ»([10])

أيُّها المؤمنونَ: إنَّ للحياءِ درجاتٍ يأخذُ بعضُهَا ببعضٍ، فينبغِي أنْ يكونَ حياءُ الإنسانِ مِنْ ربِّهِ، ثمَّ منَ النَّاسِ، وأمَّا حياؤُهُ مِنَ اللهِ الَّذي يعلمُ السِّرَّ وأخفَى، فيكونُ بفعلِ المأموراتِ واجتنابِ المحظوراتِ والبعدِ عنِ المحرَّماتِ، وحفظِ الجوارحِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْحَيَاءَ»([11]) 

وكيفَ لاَ نستحيِي مِنَ اللهِ، وحقُّهُ علينَا عظيمٌ، ونحنُ نأكُلُ منْ خيرِهِ، ونعيشُ على أرضِهِ, ونستظِلُّ بسمائِهِ فهوَ أحقُّ أنْ يُستَحْى منهُ فلاَ يُقصَّرُ فِي طاعتِهِ, ولاَ فِي شكْرِ نعمتِهِ، وإذَا كانَ أحدُنَا يخجلُ مِنَ الإساءةِ إلَى منْ أسدَى إليهِ نعمةً صغيرةً فكيفَ لاَ يستعظِمُ تقصيرَهُ فِي حقِّ ربِّهِ الَّذي تغمرُهُ آلاؤُهُ, وأمَّا حياؤُهُ منَ النَّاسِ فيكونُ بكفِّ لسانِهِ عَنْ فُحْشِ القولِ، وحفظِ مروءتِهِ وسمعتِهِ عنْ كلِّ ما يُخِلُّ بِهَا كالبعدِ عَنِ الأذَى، وتركِ المجاهرةِ بالقبيحِ، ومخاطبةِ النَّاسِ بألفاظٍ بذيئةٍِ، وعدمِ التِّأدبِ معَ منْ يكبُرُهُ أو يعلِّمُهُ، وهذا كلُّهُ مِمَّا يقدَحُ في مروءتِهِ ويُسيءُ إلَى سمعتِهِ، ويُذْهِبُ بحيائِهِ. قالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمَهُ اللهُ: مِنْ علاماتِ الشَّقاءِ: القسوةُ فِي القلبِ، وجمودُ العينِ، وقِلَّةُ الحياءِ

اللهمَّ اهدنا لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا إِنَّهُ لاَ يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، اللهمَّ جملنَا بالحياءِ  برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ.

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, صاحبُ الخلقِ العظيمِ والحياءِ الكريمِ، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.

أمَّا بَعْدُ: فاعلمُوا أنَّ منْ مقتضياتِ الحياءِ مِنَ اللهِ تعالَى أنْ نستخدمَ نعمَهَ التِي أنعمَ بِهَا علينَا فيمَا يُحبُّ ويرضَى، ومِنْ هذهِ النعمِ الكثيرةِ نعمةُ الصحةِ والفراغِ، فوقتُ الإنسانِ هوَ حياتُهُ وعمرُهُ، وعليهِ أنْ يستثمرَ هذَا الوقتَ فِي بناءِ جسمِهِ وتثقيفِ عقلِهِ، وخاصةً النشءَ الصغارَ، ونحنُ الآنَ فِي العطلةِ الصيفيةِ، وقدْ وفرَتِ الجهاتُ المعنيةُ أنشطةً وفاعلياتٍ للطلابِ تفيدُهُمْ فِي تقويةِ أبدانِهِمْ وتفتيحِ أذهانِهِمْ، وتنميةِ معلوماتِهِمْ، فليحرصْ الطلابُ علَى المشاركةِ فِي هذهِ الأنشطةِ، وعلَى الآباءِ أنْ يشجعُوهُمْ ويحفِّزُوهُمْ لكَيْ يُفيدُوا أنفسَهُمْ ومجتمَعَهُمْ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :« اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»([12]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه، قَالَ تَعَالَى:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)([13]) ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([14]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللهُمَّ اجعلْنَا مِمَنْ يستحِي منكَ حقَّ الحياءِ، ويستثمرُ وقتَهُ فِيمَا تحبُّ وترضَى، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّارِ ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ منهُ سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([15])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشكرُوهُ علَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، واللهُ يعلمُ مَا تصنعونَ.

اسْتَغْفِرُوا الله يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.  


([1]) الحديد : 4.

([2]) ابن ماجه : 4171.

([3]) البقرة :21.

([4]) الترمذي : 2002.

([5]) مسلم : 50 .

([6]) الترمذي : 1974 .

([7]) البخاري : 5652 , مسلم : 53.

([8]) مسلم : 54 .

([9]) الحاكم في المستدرك 1/22 وقال: صحيح على شرط الشيخين.

([10]) البخاري : 3224.

([11]) مسند أحمد : 18453.

([12]) الحاكم في المستدرك .

([13]) الأحزاب : 56 .

([14]) مسلم : 384.

([15]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة  www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة  باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء  22 24  800        من الثامنة صباحا حتى الثامنة مساء عدا أيام العطل الرسمية

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

             1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

             2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (a5 ).

            3. مسك العصا .

            4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)               لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)