الرحمة بالأطفال

تاريخ النشر: 16-04-2009

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

الرَّحْمَةُ بِالأَطْفَالِ

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ عزَّ مِنْ قائلٍ : ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم :« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا »([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :] وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [([3]) واذكُرُوا وقوفَكُمْ بيْنَ يدَيْهِ عزَّ وجلَّ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

عبادَ اللهِ: إِنَّ الرّحمةَ هيَ السِّمةُ الغالبةُ للإنسانِ فِي تعاملِهِ معَ الخلقِ وبِها يَستحقُّ رحمةَ الخالقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ »([4]). وإنَّ أوْلَى النَّاسِ بالرَّحمةِ هُمُ الأطفالُ الصِّغارُ، فهُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ، ورعايةٍ حانيةٍ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ، وحلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والمثلَ الأعلَى فِي معاملةِ الصِّغارِ بالرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّفقِ واللِّينِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ([5])

وكانَ صلى الله عليه وسلم يرحمُ الأطفالَ ويراعِي أحوالَهُمْ حتَّى وإنْ كانَ فِي صلاةٍ ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ:« كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ»([6]).

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقطعُ الخطبةَ وينْزلُ مِنْ منبَرِهِ رحمةً بالأطفالِ ، فعَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحَصِيبِِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ :« صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )([7]) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ». ثُمَّ أَخَذَ فِى الْخُطْبَةِ([8]).

ولَمْ تكُنْ هذهِ الرحمةُ خاصةً بأهلِ بيتِهِ بلْ بكلِ الأطفالِ عامةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ »([9]) وكانَ صلى الله عليه وسلم يلاطفُ الأطفالَ ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَى([10]) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحاً كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ([11]) .

أيهَا المسلمونَ : لقدْ عدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عدمَ تقبيلِ الأطفالِ أوْ رحمتِهِمْ منْ علاماتِ الجفاءِ والشقاءِ ، فعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- قَالَتْ : جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ »([12]) وقَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ »([13]).

وقدْ بيَّنَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ مَنْ لاَ يرحمُ الصغارَ لاَ يصلحُ أنْ يتولَّى أمورَ الناسِ وشؤونَهُمْ ، لأنهُ سيعاملُهُمْ بقسوةٍ وجفاءٍ ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ، فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ . قَالَ : فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ قَالَ : أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ . فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لاَ تَعْمَلْ لِي عَمَلاً أَبَدًا([14]).

فالرحمةُ فِي تربيةِ الأطفالِ ومعاملتِهِمْ بالرِّفقِ واللِّينِ مطلوبَةٌ ؛ لأنَّ أسلوبَ التَّربيةِ بالرَّحمةِ والملاطفةِ أسلمُ وأقومُ وأنجحُ وأشدُّ تأثيراً فِي نفسِ الطِّفلِ الصغيرِ، فالقلوبُ جُبِلتْ علَى حبِّ مَنْ أحسنَ إليهَا ، وأمَّا منهجُ العنفِ والقسوةِ والغلظةِ فهُوَ دخيلٌ علَى دينِنَا وأخلاقِنَا ومجتمعِنَا .

عبادَ اللهِ : هذهِ صورٌ مشرقةٌ لرحمةِ الكبارِ بالصغارِ ، ومعَ كلِّ هذَا فإنَّ وسائلَ الإعلامِ تطالعُنَا بيْنَ حينٍ وآخرَ بقصصٍ مؤسفةٍ عنْ قسوةِ الكبارِ علَى الصغارِ بلاَ مبررٍ يُعرفُ أوْ ذنبٍ يُقترفُ ، وهذَا مخالفٌ لتعاليمِ دينِنَا الحنيفِ وللفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ ، ومُنافٍ لتراثِنَا وأعرافِ مجتمعِنَا المتراحمِ الذِي يعيشُ أفرادُهُ كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ ، الكبيرُ فيهَا يرحمُ الصغيرَ ، وينعمُ الكلُّ فيهَا برغدِ العيشِ ويهنَأُون بالأمنِ والأمانِ فِي ظلِّ قيادةٍ رشيدةٍ رحيمةٍ عادلةٍ .

اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ .

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ .


 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ أسرةٍ مترابطةٍ قويَّةٍ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ عُزِلَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([15]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16])

ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ اجعلْنَا من عبادِكَ الرحماءِ الذينَ يرحمونَ الصغارَ والضعفاءَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([18])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الأعراف : 156.

([2]) الترمذي : 1921.

([3]) الحجرات :10.

([4]) أبو داود : 4941.

([5]) مسلم: 2316.

([6]) النسائي : 1141 .

([7]) التغابن : 15 .

([8]) أبو داود : 1109 .

([9]) البخاري : 707 .

([10]) صَلاَةَ الأُولَى : يَعْنِي الظُّهْر. شرح النووي على مسلم 8/40 .

([11]) مسلم : 2329 ، وجُؤْنَةِ عَطَّارٍ : أي سلة صغيرة يضع فيها العطار متاعه من الطيب وغيره .

([12]) البخاري : 5998 .

([13]) أبو داود : 4942 .

([14]) البيهقي في السنن الكبري 9/41 .

([15]) أحمد : 26457 .

([16]) الأحزاب : 56 .

([17]) مسلم : 384.

([18]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (الرحمة بالأطفال ).

3. مسك العصا .

4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ عزَّ مِنْ قائلٍ : ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم :« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا »([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :] وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [([3]) واذكُرُوا وقوفَكُمْ بيْنَ يدَيْهِ عزَّ وجلَّ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

عبادَ اللهِ: إِنَّ الرّحمةَ هيَ السِّمةُ الغالبةُ للإنسانِ فِي تعاملِهِ معَ الخلقِ وبِها يَستحقُّ رحمةَ الخالقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ »([4]). وإنَّ أوْلَى النَّاسِ بالرَّحمةِ هُمُ الأطفالُ الصِّغارُ، فهُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ، ورعايةٍ حانيةٍ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ، وحلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والمثلَ الأعلَى فِي معاملةِ الصِّغارِ بالرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّفقِ واللِّينِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ([5])

وكانَ صلى الله عليه وسلم يرحمُ الأطفالَ ويراعِي أحوالَهُمْ حتَّى وإنْ كانَ فِي صلاةٍ ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ:« كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ»([6]).

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقطعُ الخطبةَ وينْزلُ مِنْ منبَرِهِ رحمةً بالأطفالِ ، فعَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحَصِيبِِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ :« صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )([7]) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ». ثُمَّ أَخَذَ فِى الْخُطْبَةِ([8]).

ولَمْ تكُنْ هذهِ الرحمةُ خاصةً بأهلِ بيتِهِ بلْ بكلِ الأطفالِ عامةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ »([9]) وكانَ صلى الله عليه وسلم يلاطفُ الأطفالَ ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَى([10]) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحاً كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ([11]) .

أيهَا المسلمونَ : لقدْ عدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عدمَ تقبيلِ الأطفالِ أوْ رحمتِهِمْ منْ علاماتِ الجفاءِ والشقاءِ ، فعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- قَالَتْ : جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ »([12]) وقَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ »([13]).

وقدْ بيَّنَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ مَنْ لاَ يرحمُ الصغارَ لاَ يصلحُ أنْ يتولَّى أمورَ الناسِ وشؤونَهُمْ ، لأنهُ سيعاملُهُمْ بقسوةٍ وجفاءٍ ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ، فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ . قَالَ : فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ قَالَ : أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ . فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لاَ تَعْمَلْ لِي عَمَلاً أَبَدًا([14]).

فالرحمةُ فِي تربيةِ الأطفالِ ومعاملتِهِمْ بالرِّفقِ واللِّينِ مطلوبَةٌ ؛ لأنَّ أسلوبَ التَّربيةِ بالرَّحمةِ والملاطفةِ أسلمُ وأقومُ وأنجحُ وأشدُّ تأثيراً فِي نفسِ الطِّفلِ الصغيرِ، فالقلوبُ جُبِلتْ علَى حبِّ مَنْ أحسنَ إليهَا ، وأمَّا منهجُ العنفِ والقسوةِ والغلظةِ فهُوَ دخيلٌ علَى دينِنَا وأخلاقِنَا ومجتمعِنَا .

عبادَ اللهِ : هذهِ صورٌ مشرقةٌ لرحمةِ الكبارِ بالصغارِ ، ومعَ كلِّ هذَا فإنَّ وسائلَ الإعلامِ تطالعُنَا بيْنَ حينٍ وآخرَ بقصصٍ مؤسفةٍ عنْ قسوةِ الكبارِ علَى الصغارِ بلاَ مبررٍ يُعرفُ أوْ ذنبٍ يُقترفُ ، وهذَا مخالفٌ لتعاليمِ دينِنَا الحنيفِ وللفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ ، ومُنافٍ لتراثِنَا وأعرافِ مجتمعِنَا المتراحمِ الذِي يعيشُ أفرادُهُ كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ ، الكبيرُ فيهَا يرحمُ الصغيرَ ، وينعمُ الكلُّ فيهَا برغدِ العيشِ ويهنَأُون بالأمنِ والأمانِ فِي ظلِّ قيادةٍ رشيدةٍ رحيمةٍ عادلةٍ .

اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ .

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ .


 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ أسرةٍ مترابطةٍ قويَّةٍ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ عُزِلَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([15]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16])

ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ اجعلْنَا من عبادِكَ الرحماءِ الذينَ يرحمونَ الصغارَ والضعفاءَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([18])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الأعراف : 156.

([2]) الترمذي : 1921.

([3]) الحجرات :10.

([4]) أبو داود : 4941.

([5]) مسلم: 2316.

([6]) النسائي : 1141 .

([7]) التغابن : 15 .

([8]) أبو داود : 1109 .

([9]) البخاري : 707 .

([10]) صَلاَةَ الأُولَى : يَعْنِي الظُّهْر. شرح النووي على مسلم 8/40 .

([11]) مسلم : 2329 ، وجُؤْنَةِ عَطَّارٍ : أي سلة صغيرة يضع فيها العطار متاعه من الطيب وغيره .

([12]) البخاري : 5998 .

([13]) أبو داود : 4942 .

([14]) البيهقي في السنن الكبري 9/41 .

([15]) أحمد : 26457 .

([16]) الأحزاب : 56 .

([17]) مسلم : 384.

([18]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (الرحمة بالأطفال ).

3. مسك العصا .

4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ عزَّ مِنْ قائلٍ : ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم :« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا »([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :] وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [([3]) واذكُرُوا وقوفَكُمْ بيْنَ يدَيْهِ عزَّ وجلَّ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

عبادَ اللهِ: إِنَّ الرّحمةَ هيَ السِّمةُ الغالبةُ للإنسانِ فِي تعاملِهِ معَ الخلقِ وبِها يَستحقُّ رحمةَ الخالقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ »([4]). وإنَّ أوْلَى النَّاسِ بالرَّحمةِ هُمُ الأطفالُ الصِّغارُ، فهُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ، ورعايةٍ حانيةٍ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ، وحلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والمثلَ الأعلَى فِي معاملةِ الصِّغارِ بالرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّفقِ واللِّينِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ([5])

وكانَ صلى الله عليه وسلم يرحمُ الأطفالَ ويراعِي أحوالَهُمْ حتَّى وإنْ كانَ فِي صلاةٍ ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ:« كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ»([6]).

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقطعُ الخطبةَ وينْزلُ مِنْ منبَرِهِ رحمةً بالأطفالِ ، فعَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحَصِيبِِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ :« صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )([7]) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ». ثُمَّ أَخَذَ فِى الْخُطْبَةِ([8]).

ولَمْ تكُنْ هذهِ الرحمةُ خاصةً بأهلِ بيتِهِ بلْ بكلِ الأطفالِ عامةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ »([9]) وكانَ صلى الله عليه وسلم يلاطفُ الأطفالَ ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَى([10]) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحاً كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ([11]) .

أيهَا المسلمونَ : لقدْ عدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عدمَ تقبيلِ الأطفالِ أوْ رحمتِهِمْ منْ علاماتِ الجفاءِ والشقاءِ ، فعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- قَالَتْ : جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ »([12]) وقَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ »([13]).

وقدْ بيَّنَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ مَنْ لاَ يرحمُ الصغارَ لاَ يصلحُ أنْ يتولَّى أمورَ الناسِ وشؤونَهُمْ ، لأنهُ سيعاملُهُمْ بقسوةٍ وجفاءٍ ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ، فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ . قَالَ : فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ قَالَ : أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ . فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لاَ تَعْمَلْ لِي عَمَلاً أَبَدًا([14]).

فالرحمةُ فِي تربيةِ الأطفالِ ومعاملتِهِمْ بالرِّفقِ واللِّينِ مطلوبَةٌ ؛ لأنَّ أسلوبَ التَّربيةِ بالرَّحمةِ والملاطفةِ أسلمُ وأقومُ وأنجحُ وأشدُّ تأثيراً فِي نفسِ الطِّفلِ الصغيرِ، فالقلوبُ جُبِلتْ علَى حبِّ مَنْ أحسنَ إليهَا ، وأمَّا منهجُ العنفِ والقسوةِ والغلظةِ فهُوَ دخيلٌ علَى دينِنَا وأخلاقِنَا ومجتمعِنَا .

عبادَ اللهِ : هذهِ صورٌ مشرقةٌ لرحمةِ الكبارِ بالصغارِ ، ومعَ كلِّ هذَا فإنَّ وسائلَ الإعلامِ تطالعُنَا بيْنَ حينٍ وآخرَ بقصصٍ مؤسفةٍ عنْ قسوةِ الكبارِ علَى الصغارِ بلاَ مبررٍ يُعرفُ أوْ ذنبٍ يُقترفُ ، وهذَا مخالفٌ لتعاليمِ دينِنَا الحنيفِ وللفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ ، ومُنافٍ لتراثِنَا وأعرافِ مجتمعِنَا المتراحمِ الذِي يعيشُ أفرادُهُ كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ ، الكبيرُ فيهَا يرحمُ الصغيرَ ، وينعمُ الكلُّ فيهَا برغدِ العيشِ ويهنَأُون بالأمنِ والأمانِ فِي ظلِّ قيادةٍ رشيدةٍ رحيمةٍ عادلةٍ .

اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ .

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ .


 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ أسرةٍ مترابطةٍ قويَّةٍ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ عُزِلَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([15]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16])

ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ اجعلْنَا من عبادِكَ الرحماءِ الذينَ يرحمونَ الصغارَ والضعفاءَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([18])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الأعراف : 156.

([2]) الترمذي : 1921.

([3]) الحجرات :10.

([4]) أبو داود : 4941.

([5]) مسلم: 2316.

([6]) النسائي : 1141 .

([7]) التغابن : 15 .

([8]) أبو داود : 1109 .

([9]) البخاري : 707 .

([10]) صَلاَةَ الأُولَى : يَعْنِي الظُّهْر. شرح النووي على مسلم 8/40 .

([11]) مسلم : 2329 ، وجُؤْنَةِ عَطَّارٍ : أي سلة صغيرة يضع فيها العطار متاعه من الطيب وغيره .

([12]) البخاري : 5998 .

([13]) أبو داود : 4942 .

([14]) البيهقي في السنن الكبري 9/41 .

([15]) أحمد : 26457 .

([16]) الأحزاب : 56 .

([17]) مسلم : 384.

([18]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (الرحمة بالأطفال ).

3. مسك العصا .

4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ عزَّ مِنْ قائلٍ : ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم :« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا »([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :] وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [([3]) واذكُرُوا وقوفَكُمْ بيْنَ يدَيْهِ عزَّ وجلَّ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

عبادَ اللهِ: إِنَّ الرّحمةَ هيَ السِّمةُ الغالبةُ للإنسانِ فِي تعاملِهِ معَ الخلقِ وبِها يَستحقُّ رحمةَ الخالقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ »([4]). وإنَّ أوْلَى النَّاسِ بالرَّحمةِ هُمُ الأطفالُ الصِّغارُ، فهُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ، ورعايةٍ حانيةٍ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ، وحلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والمثلَ الأعلَى فِي معاملةِ الصِّغارِ بالرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّفقِ واللِّينِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ([5])

وكانَ صلى الله عليه وسلم يرحمُ الأطفالَ ويراعِي أحوالَهُمْ حتَّى وإنْ كانَ فِي صلاةٍ ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ:« كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ»([6]).

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقطعُ الخطبةَ وينْزلُ مِنْ منبَرِهِ رحمةً بالأطفالِ ، فعَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحَصِيبِِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ :« صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )([7]) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ». ثُمَّ أَخَذَ فِى الْخُطْبَةِ([8]).

ولَمْ تكُنْ هذهِ الرحمةُ خاصةً بأهلِ بيتِهِ بلْ بكلِ الأطفالِ عامةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ »([9]) وكانَ صلى الله عليه وسلم يلاطفُ الأطفالَ ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَى([10]) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحاً كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ([11]) .

أيهَا المسلمونَ : لقدْ عدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عدمَ تقبيلِ الأطفالِ أوْ رحمتِهِمْ منْ علاماتِ الجفاءِ والشقاءِ ، فعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- قَالَتْ : جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ »([12]) وقَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ »([13]).

وقدْ بيَّنَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ مَنْ لاَ يرحمُ الصغارَ لاَ يصلحُ أنْ يتولَّى أمورَ الناسِ وشؤونَهُمْ ، لأنهُ سيعاملُهُمْ بقسوةٍ وجفاءٍ ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ، فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ . قَالَ : فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ قَالَ : أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ . فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لاَ تَعْمَلْ لِي عَمَلاً أَبَدًا([14]).

فالرحمةُ فِي تربيةِ الأطفالِ ومعاملتِهِمْ بالرِّفقِ واللِّينِ مطلوبَةٌ ؛ لأنَّ أسلوبَ التَّربيةِ بالرَّحمةِ والملاطفةِ أسلمُ وأقومُ وأنجحُ وأشدُّ تأثيراً فِي نفسِ الطِّفلِ الصغيرِ، فالقلوبُ جُبِلتْ علَى حبِّ مَنْ أحسنَ إليهَا ، وأمَّا منهجُ العنفِ والقسوةِ والغلظةِ فهُوَ دخيلٌ علَى دينِنَا وأخلاقِنَا ومجتمعِنَا .

عبادَ اللهِ : هذهِ صورٌ مشرقةٌ لرحمةِ الكبارِ بالصغارِ ، ومعَ كلِّ هذَا فإنَّ وسائلَ الإعلامِ تطالعُنَا بيْنَ حينٍ وآخرَ بقصصٍ مؤسفةٍ عنْ قسوةِ الكبارِ علَى الصغارِ بلاَ مبررٍ يُعرفُ أوْ ذنبٍ يُقترفُ ، وهذَا مخالفٌ لتعاليمِ دينِنَا الحنيفِ وللفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ ، ومُنافٍ لتراثِنَا وأعرافِ مجتمعِنَا المتراحمِ الذِي يعيشُ أفرادُهُ كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ ، الكبيرُ فيهَا يرحمُ الصغيرَ ، وينعمُ الكلُّ فيهَا برغدِ العيشِ ويهنَأُون بالأمنِ والأمانِ فِي ظلِّ قيادةٍ رشيدةٍ رحيمةٍ عادلةٍ .

اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ .

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ .


 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ أسرةٍ مترابطةٍ قويَّةٍ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ عُزِلَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([15]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16])

ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ اجعلْنَا من عبادِكَ الرحماءِ الذينَ يرحمونَ الصغارَ والضعفاءَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([18])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الأعراف : 156.

([2]) الترمذي : 1921.

([3]) الحجرات :10.

([4]) أبو داود : 4941.

([5]) مسلم: 2316.

([6]) النسائي : 1141 .

([7]) التغابن : 15 .

([8]) أبو داود : 1109 .

([9]) البخاري : 707 .

([10]) صَلاَةَ الأُولَى : يَعْنِي الظُّهْر. شرح النووي على مسلم 8/40 .

([11]) مسلم : 2329 ، وجُؤْنَةِ عَطَّارٍ : أي سلة صغيرة يضع فيها العطار متاعه من الطيب وغيره .

([12]) البخاري : 5998 .

([13]) أبو داود : 4942 .

([14]) البيهقي في السنن الكبري 9/41 .

([15]) أحمد : 26457 .

([16]) الأحزاب : 56 .

([17]) مسلم : 384.

([18]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (الرحمة بالأطفال ).

3. مسك العصا .

4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ عزَّ مِنْ قائلٍ : ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم :« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا »([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :] وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [([3]) واذكُرُوا وقوفَكُمْ بيْنَ يدَيْهِ عزَّ وجلَّ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

عبادَ اللهِ: إِنَّ الرّحمةَ هيَ السِّمةُ الغالبةُ للإنسانِ فِي تعاملِهِ معَ الخلقِ وبِها يَستحقُّ رحمةَ الخالقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ »([4]). وإنَّ أوْلَى النَّاسِ بالرَّحمةِ هُمُ الأطفالُ الصِّغارُ، فهُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ، ورعايةٍ حانيةٍ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ، وحلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والمثلَ الأعلَى فِي معاملةِ الصِّغارِ بالرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّفقِ واللِّينِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ([5])

وكانَ صلى الله عليه وسلم يرحمُ الأطفالَ ويراعِي أحوالَهُمْ حتَّى وإنْ كانَ فِي صلاةٍ ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ:« كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ»([6]).

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقطعُ الخطبةَ وينْزلُ مِنْ منبَرِهِ رحمةً بالأطفالِ ، فعَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحَصِيبِِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ :« صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )([7]) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ». ثُمَّ أَخَذَ فِى الْخُطْبَةِ([8]).

ولَمْ تكُنْ هذهِ الرحمةُ خاصةً بأهلِ بيتِهِ بلْ بكلِ الأطفالِ عامةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ »([9]) وكانَ صلى الله عليه وسلم يلاطفُ الأطفالَ ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَى([10]) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحاً كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ([11]) .

أيهَا المسلمونَ : لقدْ عدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عدمَ تقبيلِ الأطفالِ أوْ رحمتِهِمْ منْ علاماتِ الجفاءِ والشقاءِ ، فعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- قَالَتْ : جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ »([12]) وقَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ »([13]).

وقدْ بيَّنَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ مَنْ لاَ يرحمُ الصغارَ لاَ يصلحُ أنْ يتولَّى أمورَ الناسِ وشؤونَهُمْ ، لأنهُ سيعاملُهُمْ بقسوةٍ وجفاءٍ ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ، فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ . قَالَ : فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ قَالَ : أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ . فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لاَ تَعْمَلْ لِي عَمَلاً أَبَدًا([14]).

فالرحمةُ فِي تربيةِ الأطفالِ ومعاملتِهِمْ بالرِّفقِ واللِّينِ مطلوبَةٌ ؛ لأنَّ أسلوبَ التَّربيةِ بالرَّحمةِ والملاطفةِ أسلمُ وأقومُ وأنجحُ وأشدُّ تأثيراً فِي نفسِ الطِّفلِ الصغيرِ، فالقلوبُ جُبِلتْ علَى حبِّ مَنْ أحسنَ إليهَا ، وأمَّا منهجُ العنفِ والقسوةِ والغلظةِ فهُوَ دخيلٌ علَى دينِنَا وأخلاقِنَا ومجتمعِنَا .

عبادَ اللهِ : هذهِ صورٌ مشرقةٌ لرحمةِ الكبارِ بالصغارِ ، ومعَ كلِّ هذَا فإنَّ وسائلَ الإعلامِ تطالعُنَا بيْنَ حينٍ وآخرَ بقصصٍ مؤسفةٍ عنْ قسوةِ الكبارِ علَى الصغارِ بلاَ مبررٍ يُعرفُ أوْ ذنبٍ يُقترفُ ، وهذَا مخالفٌ لتعاليمِ دينِنَا الحنيفِ وللفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ ، ومُنافٍ لتراثِنَا وأعرافِ مجتمعِنَا المتراحمِ الذِي يعيشُ أفرادُهُ كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ ، الكبيرُ فيهَا يرحمُ الصغيرَ ، وينعمُ الكلُّ فيهَا برغدِ العيشِ ويهنَأُون بالأمنِ والأمانِ فِي ظلِّ قيادةٍ رشيدةٍ رحيمةٍ عادلةٍ .

اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ .

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ .


 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ أسرةٍ مترابطةٍ قويَّةٍ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ عُزِلَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([15]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16])

ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ اجعلْنَا من عبادِكَ الرحماءِ الذينَ يرحمونَ الصغارَ والضعفاءَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([18])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الأعراف : 156.

([2]) الترمذي : 1921.

([3]) الحجرات :10.

([4]) أبو داود : 4941.

([5]) مسلم: 2316.

([6]) النسائي : 1141 .

([7]) التغابن : 15 .

([8]) أبو داود : 1109 .

([9]) البخاري : 707 .

([10]) صَلاَةَ الأُولَى : يَعْنِي الظُّهْر. شرح النووي على مسلم 8/40 .

([11]) مسلم : 2329 ، وجُؤْنَةِ عَطَّارٍ : أي سلة صغيرة يضع فيها العطار متاعه من الطيب وغيره .

([12]) البخاري : 5998 .

([13]) أبو داود : 4942 .

([14]) البيهقي في السنن الكبري 9/41 .

([15]) أحمد : 26457 .

([16]) الأحزاب : 56 .

([17]) مسلم : 384.

([18]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (الرحمة بالأطفال ).

3. مسك العصا .

4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .

الخطبةُ الأولَى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْقَائِلُ عزَّ مِنْ قائلٍ : ]كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [([1]) وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم :« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا »([2]) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى :] وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [([3]) واذكُرُوا وقوفَكُمْ بيْنَ يدَيْهِ عزَّ وجلَّ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

عبادَ اللهِ: إِنَّ الرّحمةَ هيَ السِّمةُ الغالبةُ للإنسانِ فِي تعاملِهِ معَ الخلقِ وبِها يَستحقُّ رحمةَ الخالقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ »([4]). وإنَّ أوْلَى النَّاسِ بالرَّحمةِ هُمُ الأطفالُ الصِّغارُ، فهُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ، ورعايةٍ حانيةٍ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ، وحلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والمثلَ الأعلَى فِي معاملةِ الصِّغارِ بالرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّفقِ واللِّينِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ([5])

وكانَ صلى الله عليه وسلم يرحمُ الأطفالَ ويراعِي أحوالَهُمْ حتَّى وإنْ كانَ فِي صلاةٍ ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ:« كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ»([6]).

وكانَ صلى الله عليه وسلم يقطعُ الخطبةَ وينْزلُ مِنْ منبَرِهِ رحمةً بالأطفالِ ، فعَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحَصِيبِِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ :« صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ )([7]) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ ». ثُمَّ أَخَذَ فِى الْخُطْبَةِ([8]).

ولَمْ تكُنْ هذهِ الرحمةُ خاصةً بأهلِ بيتِهِ بلْ بكلِ الأطفالِ عامةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ »([9]) وكانَ صلى الله عليه وسلم يلاطفُ الأطفالَ ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَى([10]) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحاً كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ([11]) .

أيهَا المسلمونَ : لقدْ عدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عدمَ تقبيلِ الأطفالِ أوْ رحمتِهِمْ منْ علاماتِ الجفاءِ والشقاءِ ، فعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- قَالَتْ : جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ »([12]) وقَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ »([13]).

وقدْ بيَّنَ الخليفةُ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ مَنْ لاَ يرحمُ الصغارَ لاَ يصلحُ أنْ يتولَّى أمورَ الناسِ وشؤونَهُمْ ، لأنهُ سيعاملُهُمْ بقسوةٍ وجفاءٍ ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ، فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ . قَالَ : فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ قَالَ : أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ . فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لاَ تَعْمَلْ لِي عَمَلاً أَبَدًا([14]).

فالرحمةُ فِي تربيةِ الأطفالِ ومعاملتِهِمْ بالرِّفقِ واللِّينِ مطلوبَةٌ ؛ لأنَّ أسلوبَ التَّربيةِ بالرَّحمةِ والملاطفةِ أسلمُ وأقومُ وأنجحُ وأشدُّ تأثيراً فِي نفسِ الطِّفلِ الصغيرِ، فالقلوبُ جُبِلتْ علَى حبِّ مَنْ أحسنَ إليهَا ، وأمَّا منهجُ العنفِ والقسوةِ والغلظةِ فهُوَ دخيلٌ علَى دينِنَا وأخلاقِنَا ومجتمعِنَا .

عبادَ اللهِ : هذهِ صورٌ مشرقةٌ لرحمةِ الكبارِ بالصغارِ ، ومعَ كلِّ هذَا فإنَّ وسائلَ الإعلامِ تطالعُنَا بيْنَ حينٍ وآخرَ بقصصٍ مؤسفةٍ عنْ قسوةِ الكبارِ علَى الصغارِ بلاَ مبررٍ يُعرفُ أوْ ذنبٍ يُقترفُ ، وهذَا مخالفٌ لتعاليمِ دينِنَا الحنيفِ وللفطرةِ الإنسانيةِ السويةِ ، ومُنافٍ لتراثِنَا وأعرافِ مجتمعِنَا المتراحمِ الذِي يعيشُ أفرادُهُ كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ ، الكبيرُ فيهَا يرحمُ الصغيرَ ، وينعمُ الكلُّ فيهَا برغدِ العيشِ ويهنَأُون بالأمنِ والأمانِ فِي ظلِّ قيادةٍ رشيدةٍ رحيمةٍ عادلةٍ .

اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ .

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ .


 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ أسرةٍ مترابطةٍ قويَّةٍ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ عُزِلَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ »([15]).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16])

ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ اجعلْنَا من عبادِكَ الرحماءِ الذينَ يرحمونَ الصغارَ والضعفاءَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ r ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ r اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ أعمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بإصلاحِ عيوبِنَا، واجعلِ التَّقْوَى زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ كبيرًا كانَ أوْ صغيرًا ولوْ كمفحصِ قطاةٍ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى الإماراتِ الأمْنَ والأمانَ وَسَائِرِ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .

عبادَ اللهِ :] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([18])

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الأعراف : 156.

([2]) الترمذي : 1921.

([3]) الحجرات :10.

([4]) أبو داود : 4941.

([5]) مسلم: 2316.

([6]) النسائي : 1141 .

([7]) التغابن : 15 .

([8]) أبو داود : 1109 .

([9]) البخاري : 707 .

([10]) صَلاَةَ الأُولَى : يَعْنِي الظُّهْر. شرح النووي على مسلم 8/40 .

([11]) مسلم : 2329 ، وجُؤْنَةِ عَطَّارٍ : أي سلة صغيرة يضع فيها العطار متاعه من الطيب وغيره .

([12]) البخاري : 5998 .

([13]) أبو داود : 4942 .

([14]) البيهقي في السنن الكبري 9/41 .

([15]) أحمد : 26457 .

([16]) الأحزاب : 56 .

([17]) مسلم : 384.

([18]) النحل :90.

- الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

- مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

- خدمة الفتوى عبر الرسائل النصية sms على الرقم 2535

- من مسؤولية الخطيب :

1. الالتزام بالخطبة وتسجيلها .

2. أن يكون حجم ورقة الخطبة صغيراً (الرحمة بالأطفال ).

3. مسك العصا .

4. أن يكون المؤذن ملتزمًا بالزي .