نعمة الصحة

تاريخ النشر: 31-03-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله العزيز الوهاب، ذي الإحسان والكرم، مجزل العطاء والنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون).

أيها المسلمون: إن نعم الله علينا كثيرة، وأفضاله عميمة، قال جل ثناؤه:( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة). فلو أراد الإنسان أن يعدها ما استطاع، قال تعالى:( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم). وإن من أجل هذه النعم وأعظمها نعمة الصحة والعافية، فهي هبة من الله كريمة، ومنحة منه عظيمة، والمحافظة عليها مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، ووصية جليلة من الوصايا النبوية الشريفة، قال  صلى الله عليه وسلم:« سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية». وذلك لأن صلاح الإنسان لا يتم إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عن المؤمن ما يضر بدينه، والعافية تدفع عنه ما يضر بقلبه وبدنه من الأمراض والآفات. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من سؤال ربه الصحة والعافية فيقول:« اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت». يعيدها ثلاثا حين يصبح، وثلاثا حين يمسي. وقال صلى الله عليه وسلم:« نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». كيف لا وبالصحة يعيش الإنسان سعيدا، ويحيا عزيزا حميدا، وبها يسعى لطاعة ربه، وينفع نفسه وأهله، ويخدم مجتمعه ووطنه، فيجمع الخير من أطرافه، وإنما تبنى الحضارات بالسواعد الصحيحة الفتية، والأجسام السليمة القوية.

عباد الله: لقد اعتنى الإسلام بالصحة عناية عظيمة، وأولاها رعاية كريمة، ووضع لها القواعد الحكيمة، فحث على النظافة والطهارة، لما في ذلك من السلامة، قال الله تعالى:( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« الطهور شطر الإيمان». وجاء التأكيد على ذلك في أمور كثيرة، ففي طهارة الثياب يقول الله سبحانه:( وثيابك فطهر). وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتنظيف البيوت فقال:« طهروا أفنيتكم». لما في ذلك كله من الوقاية من الأمراض والأدواء، كما حث صلى الله عليه وسلم على نظافة اليدين وغسلهما بعد الطعام وقبل النوم فقال:« من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه» والغمر هو رائحة اللحم ودسومته، وذلك لدفع ضرر الحشرات المؤذية التي تنجذب لرائحة الطعام فتؤذي الإنسان.

ولقد علمنا الإسلام الطرق الوقائية لاجتناب الأمراض، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على تغطية أواني الطعام والشراب لئلا تتلوث، فقال:« غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب». لأن الآنية المكشوفة عرضة للأتربة والجراثيم.

أيها المصلون: ومن وسائل حفظ الصحة إعطاء النفس حقها، واجتناب الإفراط والتفريط، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إنهاكها وإرهاقها، فعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال:« ما هذا؟». قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال:« حلوه، ليصل أحدكم نشاطه -أي: مدة نشاطه وقوته- فإذا كسل أو فتر فليقعد».

كما أشار القرآن الكريم في غير موضع إلى اختيار الطيب من الطعام والشراب، فقال عز وجل:( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات). وأرشدنا إلى الأسلوب الصحي الأمثل بالاعتدال في المطعم والمشرب؛ قال الله جل وعلا:( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). وقال النبي صلى الله عليه وسلم:« بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه».

ومما أمر به الإسلام التداوي والعلاج، لطرد الأمراض والأسقام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« تداووا عباد الله، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء». وأمر صلى الله عليه وسلم باجتناب أسباب انتقال الأمراض المعدية، فقال صلى الله عليه وسلم:« إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها». وقال صلى الله عليه وسلم أيضا:« لا يوردن ممرض على مصح».

عباد الله: إن أسباب المحافظة على الصحة كثيرة، ومن أعظمها حفظ الاستقرار في الأوطان، واجتناب الفتن والنزاع، فبالاستقرار يحفظ الإنسان في بدنه، وينعم بصحته وعافيته، ويسلم من الشرور والأضرار، وبذهاب الاستقرار تستهدف الأبدان، وتسفك الدماء، وتكثر الحروب والأمراض، وتتفشى المجاعات المهلكة، والأوبئة الفتاكة، التي تحصد آلاف الأرواح، وقد قرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قول الله تعالى:( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) فقال: النعيم هو الأمن والصحة.

فاللهم ارزقنا الصحة في الأبدان، والنعيم في الأوطان، وأعنا على شكر ذلك بالإحسان، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن الصحة أمانة سنسأل عنها يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه». فهنيئا لمن حفظ الأمانة، واتبع سبيل السلامة، واغتنم صحته في كل نافع ومفيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه:« اغتنم خمسا قبل خمس». وذكر منها:« وصحتك قبل سقمك». وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: خذ من صحتك لمرضك.

فما أجمل أن يغتنم الإنسان نعمة الصحة، فينفق ويتصدق، ويبذل المعروف، ويفعل الخير، ويحسن إلى نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه وقيادته، فإن ذلك من أفضل الأعمال وأعظم القربات، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ فقال:« أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى».

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم عافنا في أبداننا وأسماعنا وأبصارنا، وارزقنا العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة يا أكرم الأكرمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).