أهمية الاستقرار

تاريخ النشر: 26-03-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أمر بالاستقرار، ونهى عن الشر والإضرار، أحمده سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).

أيها المسلمون: إن من محاسن شريعتنا الغراء أنها جاءت لتحقيق المقاصد العظيمة، وترسيخ الغايات الجليلة، وبناء الحياة السعيدة الكريمة، التي أساسها الإيمان والهدى، والإحسان والتقى، وقوامها الاستقرار، وسياجها التآلف والوئام، ودعائمها الوحدة والاجتماع والاعتصام، وركائزها التقدم والتطور والازدهار، فهي شريعة كاملة متكاملة، تشتمل على المحاسن والفضائل، وتحقق المصالح، وتدرء المفاسد، قال الله تعالى:( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا). أي: صدقا في أخباره، وعدلا في أوامره وأحكامه، فكل ما أخبر به فهو حق، وكل ما أمر به فهو عدل، وكل ما نهى عنه فهو شر، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة ومضرة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم تأكيدا على هذا المعنى:« إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم».

ومن صور ذلك ومظاهره أن الإسلام أرسى مبادئ السلم والتعايش، وحث على أسبابه، ونهى عن مهدداته، وأمر بالتصدي لمن يخل به، صونا للأنفس والأعراض، وحماية للمجتمعات والأوطان، وحفظا للمكتسبات والممتلكات، وإبقاء لعجلة التطور والنماء، ودفعا للفتن والشرور.

وقد أعلى الإسلام قيمة الاستقرار والسلام، وجعلها مصلحة عليا، فتحية المسلمين في الدنيا والآخرة السلام، قال تعالى:( تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما). وما ذلك إلا لأهمية هذه المصلحة العليا وعظم شأنها.

عباد الله: لقد أمر الله سبحانه بإعداد القوة لحراسة السلام وحفظ الاستقرار، فقال تعالى:( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). كما أمر بأخذ الحذر والحيطة منعا لكل ما يهدد هذه المصلحة العليا، فقال سبحانه:( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم). وأمر بالاجتماع والالتفاف حول الحاكم لتحقيق هذه الغاية النبيلة، فقال جل شأنه:( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). وقرر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأوضح عبارة وأبلغ أسلوب فقال:« إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه، ويتقى به». ومعنى الحديث أن الحاكم مثل الدرع الساتر لرعيته؛ يمنعهم من العدو، ويمنع بعضهم من بعض، ويقاتل معه ضد كل باغ ومفسد، لما في ذلك من صلاح شؤون الناس، واستقامة أحوالهم، وذلك موضع إجماع العلماء، وتوافق العقلاء، وهو أمر أكدته الشرائع الإلهية، والقوانين الأرضية، وإلا طغى الأقوياء على الضعفاء، وتطاول البغاة على الأبرياء.

أيها المصلون: لقد حث الإسلام على لزوم الحكمة في الأمور كلها، ومن الحكمة وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها. فأمر بالرفق واللين في موضعه المناسب، وأمر بالشدة والحزم في الموضع الذي لا يناسبه إلا ذلك، وأجاز الدفاع عن النفس ونجدة الغير ضد البغي والعدوان، واستعمال الحزم لحفظ الأمن والاستقرار إن اقتضى الأمر ذلك، قال الله تعالى:( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين). وقال جل وعلا:( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون). أي يتصدون للظالم، ويوقفونه عند حده، كفا لشره ودفعا لفساده، فإن الحلم والتغاضي عن الضعيف محمود، وعن الباغي المكابر مذموم؛ لأنه إعانة له على الاستمرار في الظلم والبغي والعدوان.

أيها المسلمون: لقد كان تحقيق الاستقرار من أولويات رسول اللهصلى الله عليه وسلم  فكان صلى الله عليه وسلم يحرص على نشر السلام والتعايش، وإرساء دعائمه في المجتمع ، ومنع الاعتداء والبغي بمختلف صوره وأشكاله، فكان يستعمل اللين في موضعه، ويستعمل الحزم والردع في موضعه، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن نفرا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فمرضوا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، ففعلوا، فشفوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وحملوا الإبل معهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتي بهم، فأقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الحد. وذلك لعظم جنايتهم على الخلق، وشدة خطرهم على المجتمع واستقراره، كما حرص الصحابة رضي الله عنهم على حفظ التعايش والاستقرار اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فاستعملوا الرفق تارة والحزم تارة أخرى.

وعندما تمرد بعض الناس في زمن علي رضي الله عنه، نصحهم بالحسنى، وأمهلهم لعلهم يرجعون إلى صوابهم، ويثوبون إلى رشدهم، فلم يستجيبوا، بل أصروا وتمادوا، وسفكوا الدماء المحرمة، وأغاروا على الأموال المعصومة، وقطعوا السبيل، وهددوا حياة الناس واستقرارهم، فقام لهم علي رضي الله عنه، وتصدى لخطرهم بالحزم والقوة، ووقف معه الصحابة رضي الله عنهم على قلب رجل واحد، حتى أبطلوا هذا الشر.

فاللهم احفظنا من الفتن والشرور، وجنبنا كل كيد ومكر وسوء، ووفقنا اللهم جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن الاستقرار مصلحة عليا وضرورة كبرى يجدر بكل عاقل المحافظة عليها، فبها يأمن الناس على حياتهم، ويقومون على مصالحهم، ويبنون حاضرهم ويستشرفون مستقبلهم، فيستنير واقعهم، وتزدهر حضارتهم، وبذهاب الاستقرار تحل النكبات والمآسي، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا».

وإن قيادتنا الرشيدة لم تدخر وسعا لتحقيق هذه المصلحة العليا على الصعيد الداخلي والخارجي، والتعاون مع الإخوة والأشقاء لإرساء دعائم الحق، ودفع كل بغي وتهديد وإفساد، امتثالا لقول الحق جل وعلا:( وتعاونوا على البر والتقوى). وقول النبيصلى الله عليه وسلم :« يد الله مع الجماعة».

فبارك الله في قيادتنا، وأعز دولتنا، وحفظ جنودنا، وحمى شعبنا وإخوتنا من كل سوء ومكروه، وكف بأس كل طامع وحاقد.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أدم علينا وحدتنا واجتماعنا، واحفظ استقرارنا وازدهارنا، ووفق ولاة أمرنا لكل خير وسداد، واحفظ جنودنا بحفظك، وكن لهم خير معين ونصير يا أكرم الأكرمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا. اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).