أن اشكر لي ولوالديك

تاريخ النشر: 15-03-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أوصى بالوالدين إحسانا، وجعل برهما قربة وإيمانا، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال تعالى:( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا). وقال الله عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: لقد أمرنا الله تعالى بشكره، والقيام بحقه، وثنى بأمر عظيم، وأصل كبير، وهو شكر الوالدين، قال تعالى:( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا).

ولعظم حق الوالدين قرن الله سبحانه شكره بشكرهما، فقال جل وعلا:( أن اشكر لي ولوالديك). فشكرهما واجب، وبرهما حتم لازم، وهما أحق الناس بالبر، وجميل الشكر، فهما أكثر الناس منك قربا، وأعظمهم لك حبا، وأشدهم عليك حرصا وعطفا، ولذا كان برهما من أحب الأعمال إلى الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، وبر الوالدين».

فبر الوالدين خلق الأنبياء، وسبيل الأتقياء، وعمل بوصية رب الأرض والسماء، فهذا نبي الله عيسى عليه السلام يقول لقومه مؤكدا هذا الحق العظيم:( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا* وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا). وامتدح الله تعالى نبيه يحيى عليه السلام لبره بوالديه فقال:( وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا).

وهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعو لوالديه فيقول:( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات).

ولقد قدم الرعيل الأول أروع الأمثلة في ذلك، فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا دخل أرضه قال لأمه: عليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أمتاه، فتقول له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرا، فتقول له: يا بني، وأنت فجزاك الله خيرا، ورضي عنك كما بررتني كبيرا.

فما أجمله من أدب، وما أرقاه من خلق.

وعن الحسن البصري: أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه وهو يقول لها: أتريني جزيتك يا أمه؟ فقال ابن عمر: لا والله ولا طلقة واحدة. أي إن كل ما فعلته لا يساوي آلام طلقة واحدة أثناء الولادة.

أيها المصلون: إن صور بر الوالدين متنوعة، فمنها حسن مخطابتهما، بجميل العبارة، ولطيف الكلام، فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام لا يخاطب أباه إلا بقوله:( يا أبت) تأكيدا على حقه، وتلطفا معه. ومن برهما: الجلوس معهما، ومؤانستهما، فهما أحق الناس بالصحبة، فقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال:«أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك». ومن برهما تجنب المشي أمامهما أو الجلوس قبلهما أو مناداتهما باسميهما مجردين، يقول أبو هريرة رضي الله عنه لرجل وهو يوصيه بأبيه: لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله.

فيا من أكرمه الله تعالى بإدراك أبويه أو أحدهما، سارع إلى برهما، وتفان في خدمتهما، وقضاء حوائجهما، فما أحسن أن نفرغ لهما من أوقاتنا، وندخل السرور عليهما، فإنهما طريقنا إلى الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:« الوالد أوسط أبواب الجنة». وأوصى صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه بوالدته فقال:« الزم رجلها، فثم الجنة». أي إن التواضع للأمهات سبب لدخول الجنة.

وبر الوالدين سبب لقبول الأعمال، ومغفرة الزلات، والفوز بالجنات، فبعد أن ذكر الله تعالى أنموذجا من البارين بآبائهم قال في جزائهم:( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم:« نمت، فرأيتني في الجنة، فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا؟ فقالوا : هذا حارثة بن النعمان». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« كذلك البر، كذلك البر». وكان أبر الناس بأمه.

عباد الله: إن بر الوالدين لا ينقطع بوفاتهما، بل بابه مفتوح، لمن أراد أن يستدرك ما فات، أو يستزيد من الخير فيما هو آت، ومن صور ذلك: الدعاء والاستغفار لهما في حياتهما وبعد مماتهما، قال تعالى:( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).

ومن ذلك: الصدقة عنهما، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي توفيت، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال:«نعم».

ومن ذلك: إنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما، فعن عبد الله بن عمر: أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله معه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقيل له: أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان صديقا لأبي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:« إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه». فطوبى لمن بر أبويه أحياء وأمواتا.

فاللهم اجعلنا لك شاكرين، وبوالدينا بارين، ولأرحامنا واصلين، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن لشكر الوالدين والإحسان إليهما ثمرات عظيمة، وآثارا جليلة في الدنيا والآخرة، منها: نيل رضوان الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم:« رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين».

ومنها: البركة في العمر والرزق؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من سره أن يمد له في عمره، ويزاد في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه».

وبرهما سبب لإجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فهذا أويس بن عامر يقول النبي صلى الله عليه وسلم عنه:« إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره».

ومن ثمرات بر الوالدين أن يبرك أبناؤك عند كبرك، فالجزاء من جنس العمل، ومن أحسن أحسن الله إليه، قال تعالى:( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا شكر والدينا، وأعنا على برهما، والإحسان إليهما، وارض عنا وعنهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما. اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

عباد الله:( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).