من وصايا لقمان الحكيم

تاريخ النشر: 01-03-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

 الخطبة الأولى

الحمد لله الملك الوهاب، أهل المجد والثناء، يؤتي الحكمة من يشاء، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم). وقال الله عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: ذكر لنا القرآن الكريم أجمل المواعظ، وقص علينا

أحسن القصص، لنستفيد من عبرها، قال الله عز وجل:( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب). ومما أخبرنا الله تعالى به في القرآن الكريم بعض من وصايا لقمان الحكيم، وهو عبد من عباد الله الصالحين، أعلى الله سبحانه قدره، ورفع شأنه، وأثنى عليه في كتابه، وسميت سورة من القرآن الكريم باسمه، قال الله عز وجل فيها:( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله). والحكمة هي الفهم والعلم، والقول السديد، والرأي الرشيد. وتلك نعمة كبيرة من أكرمه الله تعالى بها فقد آتاه خيرا كثيرا، قال سبحانه:( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا).

وكان لقمان الحكيم من الذين حباهم الله سبحانه بالخصال الزكية، والأخلاق العلية، قيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى من الفضل؟ فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.

فيا له من حكيم التزم القدوة في أخلاقه، والرحمة في سلوكه، والحكمة في تصرفاته، والشكر على نعم ربه وخالقه سبحانه.

عباد الله: إن لقمان الحكيم قدم مثلا رائعا في أدب الحوار مع الأبناء، عبر وصايا نافعة ونصائح جامعة، اشتملت على كلمات عذبة رقيقة، وآداب تربوية رفيقة، فكان يستفتح وصاياه لابنه بنداءات أبوية شفيقة فيقول:( يا بني) وهذا درس عظيم نتعلم منه كيف يتحاور الآباء مع أبنائهم، وينقلون إليهم خلاصة تجاربهم، ويحيطونهم برعايتهم، ويهذبون نفوسهم، ويرتقون بفكرهم، ويسلكون في ذلك سبيل الحكمة والموعظة الحسنة، قال الله عز وجل:( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فما أجمل أن يكون الأب حكيما قريبا من أبنائه، يترفق بهم، ويحاورهم بالكلمة الجميلة، ويسمع مشكلاتهم برحابة صدر، ويعالجها بالأساليب الحسنة الحكيمة، ويربيهم على رقة القلب، وعذوبة الكلمة، ولين الجانب، والبعد عن العنف، ويغرس فيهم القيم النبيلة والأخلاق الزكية.

أيها المصلون: لقد بدأ لقمان الحكيم وصاياه لابنه بأمر جليل، وهو غرس الإيمان بالله تعالى في نفس ولده، ليقوي صلته بربه عز وجل، فيحسن أداء حقوق الله وحقوق عباده، قال سبحانه:( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم). وحرص لقمان على أن ينمي في قلب ابنه مراقبة الله تعالى في السر والعلن، فذكره بعظمة الله عز وجل، وأنه سبحانه أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يغيب عنه مثقال ذرة، فقال له:( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير). فمن أيقن أن الله عز وجل محيط بكل شيء علما سعى في نيل محبته ورضاه، وأحسن في عمله، وراقبه في تعامله مع الخلق، ونفع ولم يضر، وأفاد ولم يسئ.

عباد الله: وحث لقمان ابنه على المحافظة على الصلاة، التي هي عمود الدين، ورأس القربات، وأعظم الطاعات، قال الله تعالى مخبرا عنه:( يا بني أقم الصلاة). فالصلاة تطهر القلوب، وتهذب الأرواح، وتزكي النفوس، وتسمو بالأخلاق، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.

أيها المصلون: ومن الجوانب التي رسخها لقمان في ابنه حسن التعامل مع الناس، فحثه على التواضع ولين الجانب، والبعد عن العجب والتعالي، وأمره بالتزام مكارم الأخلاق، والتحلي بالشخصية الرصينة الوقورة، قال سبحانه حكاية عنه:( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور). أي: لا تتكبر فتحقر الناس، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. بل ألن لهم جانبك، وابسط إليهم وجهك.

ومن حكمة لقمان أنه لما نهى ابنه عن الخلق الذميم دله على الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال:( واقصد في مشيك واغضض من صوتك) أي توسط في مشيك، متحليا بالوقار والسكينة، ونهاه عن رفع الصوت من دون حاجة، لما فيه من التكلف والإيذاء، وكان لقمان الحكيم يربي ولده على الرحمة بالناس، والإحسان إليهم، وينهاه عن الأذى، فيقول:كفى بك عقلا أن يسلم الناس من شرك.

فما أجملها من خصال، وما أسماها من قيم وآداب.

فاللهم وفقنا للسداد في القول والعمل، وأعنا على التحلي بالأخلاق الزكية، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من وصايا لقمان الحكيم لابنه التي جاءت بها الآثار أنه قال له: يا بني جالس العلماء، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء. فأوصاه بمجالسة العلماء ليأخذ عنهم، ويتعلم من علمهم وحكمتهم، لأن نور الحكمة تحيا به القلوب فتزداد في الطاعة، وتبتعد عن المعصية، ولذلك يقول أبو جحيفة رضي الله عنه: جالسوا الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العلماء. فيجمل بنا أن نربي أبناءنا على الاستفادة من العلماء العاملين أهل التوسط والاعتدال، فإن ذلك يعصمهم من الوقوع في الزلل, والخوض في الباطل.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها ، فإنه لا يصرف عنها سيئها إلا أنت يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

عباد الله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).