الابتكار مطلب شرعي وحضاري

تاريخ النشر: 11-02-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله القوي العزيز، الذي أنعم على عباده بنعمة العقل والتمييز، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، دعا إلى التقدم والازدهار، وحث على الإبداع والابتكار، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين).

أيها المسلمون: لقد كرم الله عز وجل الإنسان، وأحسن إليه غاية الإحسان، قال تعالى:( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). وإن من أفضل ما تميز به الإنسان عن غيره نعمة العقل. فهو هبة عظيمة، ومنحة جزيلة، وهو تاج المؤمن في الدنيا. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أصل الرجل عقله. وقال الشاعر:

إذا أكمل الرحمن للمرء عقله     فقد كملت أخلاقه ومآربه

ولقد أمر الله تعالى بإعمال العقل والتفكير، فقال سبحانه:( قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون). فطوبى لمن أعمل عقله، ووسع مداركه، وزاد من علمه، وارتقى بمهاراته، ووظف مواهبه، وتخلق بالأخلاق الجميلة، وتحلى بالصفات النبيلة؛ ليصبح إنسانا ينفع ولا يضر، ويعمر ولا يدمر، ويبني ولا يهدم، ويحقق الخير لنفسه ومجتمعه ووطنه والإنسانية جمعاء، قال تعالى:( وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض).

أيها المؤمنون: لقد دعانا ربنا تبارك وتعالى إلى النظر في السموات والأرض فقال:( قل انظروا ماذا في السموات والأرض). أي: ادرسوا ما فيها، واستفيدوا من قوانينها، كما أمرنا أن ندرس أحوال الأمم السابقة، لنستفيد من إيجابياتهم، ونتجنب سلبياتهم، ونولد أفكارا جديدة، نطور من خلالها حياتنا، ونبتكر حلولا أفضل لمشكلاتنا، لنصل بهذا الإبداع الإنساني الراقي إلى الريادة الحضارية، فبالإبداع والابتكار تزدهر الحياة، وتعمر الأرض، وتبنى الحضارة، ولقد قص علينا القرآن الكريم تجارب إبداعية في مجالات عديدة، فمنها صناعة السفن التي علمها الله سبحانه لنبيه نوح عليه السلام، قال تعالى:( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا). ومنها صناعة الدروع التي علمها الله تعالى لنبيه داود عليه السلام، قال عز وجل:( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم). ومنها اكتشاف الدواء، قال تعالى عن النحل:( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس). وقال صلى الله عليه وسلم :« تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء».

عباد الله: لقد حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على تنمية ملكة التفكير والإبداع لدى أصحابه الكرام رضي الله عنهم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟». فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« هي النخلة». فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال:« لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا».

وكان صلى الله عليه وسلم يستخرج المواهب، ويقوم برعايتها وتحفيز أصحابها، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال:« يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قلت:( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال: فضرب في صدري، وقال:« والله ليهنك العلم أبا المنذر».

وعندما أشار سلمان رضي الله عنه بحفر الخندق حماية للمدينة  سارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبني هذه الفكرة المبتكرة وتطبيقها، فكان منهج النبي صلى الله عليه وسلم رعاية الأفكار المبتكرة المفيدة، واحتضان الطاقات الإبداعية النافعة، حتى تنوعت المواهب وتعددت، وتفتحت العقول وترعرعت، وانطلق مبدأ التفكير البناء، وأقبل الناس على القراءة والتعليم، وانبثق فجر الحضارة الإسلامية في وقت يسير، وسطع نورها في أقطار الأرض كلها، لتنقل البشرية إلى واقع مبدع، ونجح المسلمون في بناء حضارة عظيمة عريقة متميزة في مختلف المجالات، وابتكروا العديد من العلوم والمعارف الإبداعية الجديدة، وبرعوا في علم الطب والرياضيات والهندسة والفيزياء والفلك وغيرها، فضلا عن علم التفسير والحديث والفقه وأصوله، وعلوم العربية وغيرها، محققين في ذلك قوله تعالى:( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). أي: جعلكم فيها عمارا تعمرونها وتستغلونها. وكانت ثمرة هذا الإبداع والابتكار تحقيق الخير والرقي للعالم بأسره.

أيها المسلمون: ومن صور الإبداع التخطيط والإعداد للمستقبل، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، فهذا سيدنا يوسف عليه السلام جنب قومه مصاعب السنوات الصعبة بالتخطيط الجيد، قال الله تعالى حكاية على لسانه:( قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون* ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون* ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون).

فيا فوز من استفاد من واقعه، وخطط لمستقبله، فحظي بخيري الدنيا والآخرة. فاللهم يسر لنا أسباب الخير والرشاد، وأعنا على الرقي والسداد، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن قيادتنا الرشيدة تبذل الغالي والنفيس للارتقاء بهذه الدولة المباركة في مختلف المجالات، وقد حققت المراكز المتقدمة في التنافسية العالمية، منتهجة في ذلك نهج الإبداع والابتكار لتحقيق الطموحات، وهذا يتطلب منا تكاتف الجهود في هذه المسيرة المباركة، والعمل على تنمية المواهب والقدرات ورعاية التفكير الإبداعي البناء، ممتثلين قول الله تعالى:( وتعاونوا على البر والتقوى). ومن صور ذلك حسن العناية بالأبناء، وتنمية مهاراتهم، ورعاية مواهبهم، وتربيتهم على الهمم العالية، التي تدفعهم للمعالي، وتنمي فيهم حب الإبداع والابتكار، مستحضرين في ذلك قول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم:« احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا العقل السديد، والفهم الرشيد، والخلق الجميل، ووفقنا للنهوض بأنفسنا ومجتمعنا ووطننا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم اغفر للملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وارحمه برحمتك، وتجاوز عنه بلطفك، واجعل مثواه في جنات النعيم، وجازه خيرا وإحسانا وعفوا وغفرانا.

 اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

عباد الله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).