فاعتبروا يا أولي الأبصار

تاريخ النشر: 25-01-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله العزيز الغفار، أحمده سبحانه على نعمه الوفيرة، ومننه العظيمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال تعالى:( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين).

أيها المسلمون: إن الله تعالى أمرنا بالاتعاظ والتفكر، والاعتبار والتدبر، فقال جل وعلا:( فاعتبروا يا أولي الأبصار). أي: اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب. وضرب لنا الأمثال في القرآن الكريم، لتكون ذكرى للذاكرين، فقال جل شأنه:( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون). وقص علينا من نبإ المرسلين، وأحداث السابقين، لنقف على ما فيها من دروس وعظات، وعبر وآيات، فقال تعالى:( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

وقال الحسن البصري: للمؤمن أربع علامات: كلامه ذكر، وصمته تفكر، ونظره عبرة، وعلمه بر.

وكان بعض الصالحين يقول: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، ولي فيه عبرة. فهنيئا لمن تفكر واعتبر، وتذكر واتعظ.

عباد الله: إن من الاعتبار أن يتفكر الإنسان فيما صدر منه في يومه وأمسه، فإن وجد خيرا حافظ عليه واستزاد منه، وإن وجد غير ذلك بادر إلى علاجه وتصحيحه، قال سبحانه:( بل الإنسان على نفسه بصيرة* ولو ألقى معاذيره).

ويقول الحسن البصري: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.

فالعاقل في تفكر دائم، للرقي بالنفس، والاستزادة من الخيرات وفعل الصالحات، قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون).

فدوام التفكر سبب لإزالة العيوب، وتكميل النقص، ومحاسبة النفس، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا. وقيل: من كثر اعتباره قل عثاره أي قل تعثره وخطؤه.

والعاقل من اعتنى بسمو نفسه، ورقي روحه، وصلاح أحواله، واستقامة سلوكه، يقول ربنا سبحانه:( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

أيها المصلون: ومن وجوه الاعتبار أن يعتبر الإنسان بغيره، فيستفيد مما استفاد منه غيره، ويتجنب ما أخطأ فيه أو تضرر منه، ويتعلم مما يدور حوله، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: السعيد من وعظ بغيره.

ويقول الشاعر:

إن السعيد له من غيره عظة  وفي التجارب تحكيم ومعتبر

ومن صور ذلك أن ينظر الإنسان فيما عند غيره من الخصال، فيقتدي بأحسنها، ويبتعد عن سيئها، وإن أعجبه من غيره فعل جميل زين نفسه به، أو خلق كريم سارع إليه، أو علم نافع أخذ به، أو تجربة ناجحة استفاد منها، يقول الحق تبارك وتعالى في وصف عباده المؤمنين:( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).

أيها المسلمون: ومن وجوه التفكر والاعتبار: التأمل في بديع خلق الله تعالى، والتفكر في عجائب صنعه، قال سبحانه:( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت* وإلى الجبال كيف نصبت* وإلى الأرض كيف سطحت).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان ليلة من الليالي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي». قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حجره -أي ثوبه- ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال:« أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها:( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)».

فاللهم أعنا على التفكر والاعتبار، وارزقنا حسن القول والعمل، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

 أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن ما يجري حولنا من حوادث فيها أبلغ عبرة، وأعظم عظة لمن كان له قلب، فعلى العقلاء أن يتدبروا في هذه الحوادث ويتعظوا بها، ويعلموا أن السعادة في الانضباط بشرع الله القويم، والأخذ بأسباب الاستقرار والوئام، والتآلف والسلام، بالكلمة الطيبة الجامعة، والعمل الصالح المثمر، وأن يحذروا كل الحذر من الفتن وأسبابها، فعن جبير بن نفير قال: جاء المقداد بن الأسود في حاجة، فقلنا: اجلس حتى نطلب لك حاجتك فجلس، فقال: عجبت لقوم مررت بهم يتمنون الفتن، يزعمون ليبلينهم الله فيها ما أبلى رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:« إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن». وعلى أولئك الذين سلكوا مسالك التطرف أن ينظروا في أنفسهم وما وصلوا إليه من وحشية، وانسلاخ عن مبادئ الإنسانية، أيعقل أن يكون هذا طريق الجنة؟ أو أن هذا يرضي الله ورسوله والمؤمنين؟ أين هم من قول الواحد القهار:( ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) فعليهم أن يتدبروا أعمالهم، ويتركوا مسالك الشر والإفساد، ويراجعوا أنفسهم، وينيبوا إلى الله تعالى قبل فوات الأوان وحلول الندم، لأن رسالات الأنبياء عامة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ما جاءت إلا لإحياء الأنفس، والحفاظ على الحياة، ولهذا أمرنا القرآن الكريم أن نتفكر في مصائر السالفين؛ لنكون حذرين ومبتعدين عن أسباب هلاكهم.

ونحن نعيش بفضل الله تعالى في دولة الإمارات العربية المتحدة في نعم وخير، واستقرار والتفاف حول الحاكم، فاللهم أدم علينا النعم، واجعلنا من الشاكرين لله عز وجل وللحاكم.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا قلوبا خاشعة معتبرة، وعقولا واعية متدبرة، وألسنة صادقة ذاكرة، ونفوسا راضية شاكرة، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم اغفر للملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وارحمه برحمتك، وتجاوز عنه بلطفك، واجعل مثواه في جنات النعيم، وجازه خيرا وإحسانا وعفوا وغفرانا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

عباد الله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)