التراحم من الإيمان

تاريخ النشر: 13-01-2015

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

  الخطبة الأولى

الحمد لله الرحيم الرحمن، أمر بالتراحم وجعله من دلائل الإيمان، أحمده سبحانه على نعمه المتوالية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وهادي الإنسانية إلى الطريق القويم، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). وقال الله عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: إن الإسلام دين تكافل وتلاحم، وتعاطف وتراحم، دعا إلى الرأفة والرحمة، وجعل التراحم من أخص صفات المؤمنين العاملين، قال الله تعالى:( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة). أي: إن المؤمنين الصادقين الذين يرحمون اليتيم والمسكين والخلق أجمعين، سيكونون من أصحاب اليمين، الذين وصفهم الله تعالى بقوله:( أولئك أصحاب الميمنة). فالراحمون موعودون بنيل رحمة الله تعالى ورضوانه، وعفوه وغفرانه، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم:« الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء». وقال صلى الله عليه وسلم:« ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم».

وقد توعد الله تعالى الذين لا يرحمون الناس بحرمانهم من رحمته عز وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :« من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل». وقال صلى الله عليه وسلم: « لا تنزع الرحمة إلا من شقى».

أيها المؤمنون: إن التراحم بين الخلق فطرة ربانية، تحمل صاحبها على الإحسان للآخرين، والتلطف معهم، والترفق بهم، والتألم لمصابهم، والسعي في رفع الضر عنهم، فالتراحم دليل على رقة القلب، وسمو النفس، وله ثمرات عظيمة في العاجل والآجل، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي». وقال صلى الله عليه وسلم :« من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه». فلنحرص على التراحم في أمورنا كلها.

أيها المصلون: إن مجالات التراحم واسعة كثيرة، فمنها: الرحمة بالوالدين، وذلك بطاعتهما بالمعروف، والبر بهما، والدعاء لهما، كما أوصانا الله تعالى في قرآنه بقوله:( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).

ومن التراحم: الرحمة بالأبناء والصغار، وذلك بالشفقة عليهم، والإحسان إليهم، وحسن تربيتهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا». وإن صلة القرابة والأرحام باب من أبواب التراحم بين الأنام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله».

كما أن الرحمة بالأيتام تلين القلوب، وترضي علام الغيوب، فقد شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له :« إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم».

ومن صور التراحم رحمة الغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والمعافى بالمبتلى، ورب المنزل بأهله، وصاحب العمل بموظفيه، ورحمة العالم والمعلم بالمتعلمين، إلى صور كثيرة في حياتنا اليومية.

عباد الله: إن التراحم لا يقتصر على الرحمة بالمسلمين فحسب، بل يشمل الرحمة بغير المسلمين، وذلك بإغاثة ملهوفهم، وإعانة محتاجهم، والإحسان إلى ضعيفهم، وإظهار محاسن الإسلام لهم، وتعريفهم بمقاصده العظيمة، وغاياته النبيلة، بالكلمة الطيبة، والمعاملة الجميلة، وحسن الصلة معهم، فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهى مشركة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمى قدمت وهى راغبة ، أفأصل أمي؟ قال :« نعم صلي أمك».

فاللهم اجعلنا متراحمين، وارزقنا رقة القلوب، وجميل المقال، وحسن الأعمال، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أنه من فضل الله عز وجل علينا أن جعل التراحم سمة أصيلة في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة : قيادة وشعبا، فهو مجتمع رحمة وإحسان، وقد ضرب أروع الأمثلة في البذل والعطاء، وطالت أياديه البيضاء مختلف بلدان العالم، ولا أدل على ذلك من التفاعل الكبير مع حملة "تراحموا" التي أطلقها صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله لإغاثة أهلنا في الشام بعد أن أصابهم الضر، وحل بهم البأس، فجزى الله خيرا من أمر بها، وقام عليها، وساهم وبذل لأجلها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:« مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى».

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم ارزقنا الرحمة بعبادك، وبذل الخير والمعروف في مرضاتك، وامنن علينا بالقلوب الرحيمة المخبتة لك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجز المتصدقين المحسنين، وبارك لهم في أموالهم وأهليهم، وزدهم من فضلك وإحسانك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم فرج عن أهلنا في بلاد الشام، وادفع عنهم ما حل بهم من برد الشتاء، وكن لهم معينا وحافظا يا ربنا، وفرج عن الضعفاء والمكروبين في كل مكان يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

عباد الله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)