وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

تاريخ النشر: 30-12-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

       الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى والحق المبين، أحمده سبحانه على نعمه الوفيرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، سيد الخلق أجمعين، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون). وقال الله عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: خلق الله تعالى البشر، وأرسل إليهم الرسل معلمين ومبشرين، قال سبحانه:( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقد أكرم الله سبحانه البشرية بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم النبيين والمرسلين، قال عز وجل:) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) فكان مولده صلى الله عليه وسلم إيذانا بفجر جديد، يحمل للعالم الهداية والإيمان والخير والسلام، وينشر العلم والحضارة في الأنام، قال تعالى:( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

وقد أيد الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالرعاية منذ صباه، وخصه بالشمائل الجميلة، وأكرمه بالشريعة الخالدة، والمعجزة الباقية، ففضائله صلى الله عليه وسلم كثيرة، يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم :« أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع».

عباد الله: لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، حيث انتشر الظلم، وساد القتل، وشاع النهب والسلب، وكان الناس في فرقة وشتات، وكثر الجهل فيهم، وعبدت الأوثان والأحجار من دون الله عز وجل، فقام النبي صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله تعالى بإذنه وسراجا منيرا، فدعا إلى إفراد الله سبحانه بالعبادة، وحرر العقول والأفهام من أغلال الخرافة والأوهام، وحرم السلب والنهب والعدوان، ومنع الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال، وعظم حرمة الدماء، ودعا إلى التآخي والتراحم والصفاء، وحض على مكارم الأخلاق، وأرسى دعائم التعايش السلمي مع غير المسلمين، فكان كما أخبر الله تعالى عنه في قوله:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وكما أخبر هو عن نفسه صلى الله عليه وسلم فقال:« أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة». ولما آذاه المشركون قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال:« إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة».

أيها المؤمنون: ومن رحمة نبينا صلى الله عليه وسلم بأمته حرصه الدائم عليها، ودعاؤه المستمر لسعادتنا في الدنيا والآخرة، فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل حكاية عن عيسى عليه السلام:( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع  يديه وقال:« اللهم أمتي أمتي». وبكى، فقال الله عز وجل:« يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟». فأتاه جبريل عليه السلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله:« يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك».

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لأمته بالخير والمغفرة في كل صلاة، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم طيب نفس قلت: يا رسول الله ادع الله لي. فقال: اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، ما أسرت وما أعلنت. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسرك دعائي؟ فقالت : وما لي لا يسرني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والله إنها لدعائي لأمتي في كل صلاة.

عباد الله: وشملت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم البهائم، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا لرجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه فسكت، فقال:« من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟». فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال:« أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه». أي تتعبه بكثرة العمل.

فما أرحمك يا رسول الله، وما أشفقك وأعطفك، لقد علمتنا الرحمة في أجمل معانيها، وربيتنا على أروع صورها، فهنيئا لمن تخلق بأخلاقك الطاهرة الزكية، ويا شقاوة من سعى بالغلو والتطرف لتشويه سيرتك الشريفة، وتحريف سنتك المطهرة.

أيها المسلمون: إن حقوق نبينا صلى الله عليه وسلم علينا كثيرة، ومن ذلك: أن نصلي ونسلم عليه، كما أمرنا الله تعالى بقوله:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وأن نحبه فوق محبة الخلق أجمعين، يقول صلى الله عليه وسلم:« لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

ومن دلائل محبته صلى الله عليه وسلم أن نؤثر هداه على هوانا، ونجعله القدوة في حياتنا، قال سبحانه:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).

ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم علينا: أن نغرس محبته في نفوس أبنائنا، ونربيهم على تعظيمه وتوقيره واتباعه، قال الله تعالى:( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

فاللهم ارزقنا حب نبيك صلى الله عليه وسلم والورود على حوضه، والفوز بشفاعته، ووفقنا جميعا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بين لنا سبل الحياة الطيبة، وأرسى دعائم السعادة، فأمر بالإحسان والمعاملة الجميلة، وحث على التلاحم والتراحم، ودعا إلى حسن العلاقة بين الراعي والرعية، ودلنا على أسباب الازدهار والنماء، وحث على رقي العقول بالمعرفة والثقافة النافعة، وسمو الروح بالإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى:( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم). ويعني بالنور رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله عز وجل به الحق، وأظهر به الإسلام.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم:« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم وفقنا لأداء حقوق نبيك صلى الله عليه وسلم وللمحافظة على جمال سنته، وكمال شريعته، وللتمسك بهديه القويم يا رب العالمين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين. اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا. اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك. اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

عباد الله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)