الاستقرار وبناء الأوطان

تاريخ النشر: 10-12-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه على عظيم النعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، قال سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم)  وقال الله عز وجل:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: إن استقرار الأوطان غاية عظمى، وهدف أسمى، ومقصد عظيم من مقاصد الدين، وهو موضع عناية الرسل والأنبياء، فهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام يدعو ربه قائلا:( رب اجعل هـذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) وقال سبحانه وتعالى ممتنا على عباده بهذه النعمة العظيمة:( الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) وأكد سبحانه على هذا المعنى فقال عز وجل:( أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا) كيف لا والأمن سبب لكل خير في العاجل والآجل.

ولقد أمر الإسلام بالمحافظة على الأمن، ونهى عن الإخلال به، فنهانا ربنا عن الاعتداء على الآمنين، فقال عز وجل:( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وحذرنا تعالى من قتل الأبرياء المسالمين، فقال سبحانه:( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)

وتوعد نبينا صلى الله عليه وسلم سافك دماء الأبرياء من المسلمين وغيرهم بالوعيد الشديد، فقال صلى الله عليه وسلم :« من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما»

بل جاء الترهيب الشديد مما هو أقل من ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:« ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».

فكيف يلقى المسلم ربه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خصيمه يوم القيامة؟

عباد الله: إن الغلو والتطرف من أخطر مهددات الاستقرار، وله أسباب عدة، منها: الفهم السقيم لمسائل الدين، وتعلم الأمور الشرعية من غير أهلها المعتبرين، والانخداع بالتنظيمات الإرهابية، والاغترار بالمتعالمين، وتصفح المواقع الإلكترونية المشبوهة مع قلة البصيرة وضعف الحصانة العلمية، وتغليب العواطف المفرطة على مقتضى الشرع والعقل، فعلينا أن نحذر من ذلك كله، وأن نتمسك بطريق الوسطية والاعتدال، كما قال ربنا عز وجل:( وكذلك جعلناكم أمة وسطا).

والمحافظة على الاستقرار له وسائله وطرقه، ومنها: التزام الخلق الجميل في التعامل مع المسلمين وغيرهم؛ تأسيا بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه ربه:( وإنك لعلى خلق عظيم)

ومن ذلك التحلي بخلق الرفق واللين، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:« يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش».

فأين المتطرفون من هذا التوجيه النبوي العظيم؟ وأين هم من قول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام مع فرعون:( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) وأين هم من قول الله تعالى لسيد الثقلين صلى الله عليه وسلم:( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فكم تسبب المتطرفون في انفضاض الناس عن الخير، وتشويه صورة الحق، واستعمال العنف بدل اللين والرفق، فأين هم من قول رسولنا إمام الهدى صلى الله عليه وسلم:« ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه»

وأين هم من حث الشرع الحنيف على الكلمة الطيبة، واجتناب العنف والشدة، يقول ربنا تعالى:( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء).

أيها المسلمون: إن المحافظة على الأمن مسؤولية مشتركة، تستدعي تعاون الجميع على حماية المنجزات والمكتسبات؛ لاسيما العلماء والمثقفين وأصحاب الأقلام والرؤى المستنيرة؛ امتثالا لقول الله تعالى:( وتعاونوا على البر والتقوى) وذلك يقتضي التكاتف مع جهات الاختصاص للتصدي للتطرف والإرهاب، وكشف كل يد عابثة تريد الإخلال، فالتطرف من أشد المنكرات، والتصدي له من أفضل القربات. فاللهم إنا نسألك دوام الأمن والإيمان، والسلامة من شرور أهل الطغيان، ووفقنا جميعا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أننا نعيش في بلد مبارك كريم، هو واحة أمان، وموئل استقرار، ومضرب مثل في حسن التعايش والسلام، فعلينا أن نحافظ على هذه النعم، فبوجودها يعم الأمان والاطمئنان على الأنفس والأعراض والأموال، وبانعدامها تضطرب شؤون الحياة، ويشيع الخوف، وتفسد مصالح الدنيا والدين، كما علينا أن نشكر الله تعالى على نعمة الاستقرار والوئام، قال تعالى:( بل الله فاعبد وكن من الشاكرين).

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم :« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أدم علينا أمننا، وبارك لنا في استقرارنا ورخائنا، واحفظ دولتنا ومجتمعنا من كل سوء ومكروه يا رب العالمين. اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)