حرمة الدماء وفضل يوم عرفة

تاريخ النشر: 07-10-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الملك الرحيم، المتفضل على عباده بالخير العميم، فله الحمد أكمله، وله الثناء أجمله، وله الجلال أعظمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، قال الله عز وجل:( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) وقال سبحانه:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)

أيها المسلمون: إننا نعيش أياما عظيمة من أيام الله تبارك وتعالى، يلتقي فيها الحجيج في البقاع المقدسة، تتضرع قلوبهم إلى رب البرية، وتلهج ألسنتهم بالذكر والتلبية، وتسمو نفوسهم تطهيرا وتزكية، يباهي بهم الرحمن ملائكته، وينزل عليهم رحمته وسكينته، فيا له من مغنم عظيم، وفضل كبير، يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم :« ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» أي: ما أرادوا إلا ابتغاء مرضاتي، وامتثال أمري، ورجاء رحمتي ورضواني.

إنه في مثل هذا اليوم العظيم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة، فخطب في الناس خطبة عظيمة بليغة، بين لهم فيها القيم الربانية، وهداهم للمبادئ الإنسانية، وأكد لهم على حرمة الدماء والأعراض والأموال، فقال عليه الصلاة والسلام في هذا المحفل العظيم:« إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا» ثم أتبع ذلك عليه الصلاة والسلام بخطبة أخرى يوم النحر، فذكر بهذه المعاني العظيمة مرة أخرى زيادة في التأكيد، وبينها للعباد في أبلغ عبارة، وأقوى إشارة، وأجمع بيان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال:« يا أيها الناس أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام. قال:« فأي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام. قال:« فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام. قال:« فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال:« اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت» قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب. وفي كل ذلك تأكيد وتعظيم لحرمة الدماء، وحفظ للحقوق في المجتمعات.

عباد الله: إن هذه الوصايا النبوية الشريفة في هذين المحفلين العظيمين نبراس هداية ورشاد، تهدي العقول، وتنير البصائر، وتسري في قلوب المؤمنين مسرى الأرواح في الأجساد، تتجلى فيها محاسن الشريعة الإسلامية، ودعائم القيم الحضارية، ورعاية المصالح العلية، والتأكيد على احترام الحقوق الإنسانية، والتحذير من انتهاكها، وهي تبين لنا مدى حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على أمته، وشفقته عليها، ورحمته بها، قال الله تعالى:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)

وفي المقابل فإن في هذه الوصايا النبوية الشريفة أبلغ زاجر، وأقوى رادع لمن تجرأ على تكفير المسلمين، وسفك دمائهم، وانتهاك حقوقهم، والاعتداء على أعراضهم، وترويع الآمنين منهم، منتهجا طريق الغلو والتطرف والتحريض والعدوان، فإن هذه الوثيقة النبوية التي أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع تدمغ كل غلو وتشدد، وتدين كل تطرف، وتحمل رسالة نبوية ناصعة للعالم كله مسلمين وغير مسلمين عن محاسن الشريعة الإسلامية، وعن كمالها وجمالها، وصيانتها للحقوق، وحفظها للحرمات.

أيها المسلمون: إن الواجب على كل مسلم ومسلمة التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) وقال سبحانه وتعالى:( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) فإن كان المبتلون بالتطرف يزعمون أنهم يريدون اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فهذا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم يؤكد لنا خطورة التكفير، وتعظيم الدماء وحرمتها، فأين هؤلاء من امتثال الوصايا النبوية الشريفة؟ وأين هم من التأكيدات النبوية الرحيمة التي جاءت في مناسبات عدة متضافرة على تعظيم الدماء وصيانة الحقوق؟ فأين هم من قول النبي صلى الله عليه وسلم :« كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه»؟ وأين هم من قول النبي صلى الله عليه وسلم :« أول ما يقضى بين الناس في الدماء»؟ فهل أعدوا لهذا السؤال يوم القيامة جوابا؟ وأين هم من قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبين فداحة ما يلاقيه القاتل في يوم الفصل والقضاء:« يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب، هذا قتلني، حتى يدنيه من العرش»؟ فعلى من ابتلي بالغلو والتطرف مخالفا هذه الوصايا النبوية المطهرة أن يتوب ويعود لرشده، ويلتزم ما أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حفظ للدماء، وصيانة للحقوق.

عباد الله: إن التنبيهات النبوية الشريفة في حجة الوداع تؤكد علينا جميعا أن نظهر سماحة ديننا، وجمال قيمنا ومبادئنا، وأن نرفض كل ما يسيء إلى شريعتنا، ويشوهها من الأفعال الإجرامية، والتسميات الكاذبة التي تتسمى بها التنظيمات المتطرفة، فإن تسمية هذه التنظيمات المتشددة بأسماء براقة يكذبها الشرع القويم، ويرفضها العقل السليم، ويشهد ببطلانها الواقع الأليم، فواقع هؤلاء ظلم وبغي وعدوان، وسفك للدماء، وانتهاك للحقوق، فأين هذه الجرائم الشنيعة من دين الإسلام وسماحته ورحمته؟ كما علينا أن نرسخ هذه الوصايا النبوية الكريمة في نفوس الناشئة، وأن نربيهم على تعظيم الحرمات، والتحلي بالقيم الإنسانية التي تحفظ الحقوق وتحترمها، وأن نرشدهم للرفقة الصالحة التي تعينهم على ذلك، وأن نحذرهم من رفقاء السوء حتى لا يغرر بهم، ولا يتلاعب المتطرفون بعقولهم، وعلى حملة العلم والمثقفين والمثقفات وأصحاب الأقلام؛ التأكيد على هذه المعاني السامية في ميادين الثقافة والعلم، صيانة للدماء والأعراض والحقوق، وبيانا للقيم الجميلة النبيلة في هذا الباب العظيم، مستنيرين بهدي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

فاللهم اجعلنا ممن يحافظون على حقوق عبادك، ويعظمون حرماتك، ووفقنا جميعا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أنه مما يستحب في يوم عرفة الإكثار من ذكر الله تعالى، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم :« خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» فأكثروا من ذكر الله تعالى، وتضرعوا إليه بالدعاء والرغبة والرجاء، واعلموا أن الأضحية سنة، وهي نسك افتدى الله تعالى به نبيه إسماعيل عليه السلام، قال الله عز وجل:(وفديناه بذبح عظيم) وفيها مواساة للفقراء والمساكين في هذه الأيام، فينبغي للمضحي أن يختار أضحيته سليمة خالية من العيوب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:« أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التى لا تنقي»

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم :« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)