والله يحب الصابرين

تاريخ النشر: 09-09-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

    الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، وعد الصابرين أن يوفيهم أجرهم بغير حساب، أحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، قال الله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) وقال سبحانه:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

أيها المؤمنون: خلق الله تعالى الإنسان، وقد يبتليه في هذه الدنيا، قال عز وجل:( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) فأمره ونهاه، ووعده بالجنة إن أطاع، وحذره من النار إن عصى، وجعل الطريق إلى الجنة محفوفا بالمكاره، والطريق إلى النار محفوفا بالشهوات، ولا يقوى الإنسان على ما تكره نفسه إلا بالصبر، ولا يصبر إلا إذا امتلأ قلبه بحب الله عز وجل، ومن صبر نال المراد وبلغ المنزلة، قال تعالى:( والله يحب الصابرين)

والصبر هو منع النفس من الجزع، وكفها عن الشكوى من ألم البلوى، وقيل هو : الوقوف على البلاء بحسن الأدب، وسمي الصبر صبرا لأن مرارته على النفس تشبه مرارة دواء الصبر المعروف، والصبر خلق رفيع، وقد جعل الله سبحانه الصبر حصنا لا يهدم، وملاذا لا يثلم, وأمر الله تعالى به عباده، فالصبر هو العطاء الذي لا ينتهي ثوابه، قال تعالى:( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقد كتب الله عز وجل الخير للصابرين، فقال سبحانه وتعالى:( وأن تصبروا خير لكم) وقال سبحانه:( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)

وهو خير عطاء يعطاه العبد في الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر»

عباد الله: ولشرف هذا الخلق وعلو قدره؛ تسمى الله تبارك وتعالى به، فمن أسمائه الحسنى " الصبور" للمبالغة في الحلم عمن عصاه، وقد مدح الله تعالى أنبياءه عليهم السلام لصبرهم، فقال تعالى عن أيوب عليه السلام:( إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) وقال عز وجل:( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين) وذكر الله تعالى أولي العزم من الرسل، وهم أعلى الرسل قدرا وصبرا، وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يتأسى بهم في صبرهم، وهو صلى الله عليه وسلم منهم، فقال سبحانه وتعالى:( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وقد ضرب الأنبياء أروع الأمثلة في الصبر على أذى أقوامهم لهم؛ قال تعالى:( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) فما ازدادت رسل الله إلا ثباتا على الصبر وتمسكا به فقالوا لأقوامهم:( ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون)

وقد أوصى الأنبياء أقوامهم بالصبر، وحثوهم عليه؛ فقال موسى عليه السلام لقومه:( استعينوا بالله واصبروا) وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته من بعده فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم :« إن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم». قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال:« لا بل أجر خمسين منكم».

أيها المسلمون: من اتخذ الصبر طريقا له بلغ منازل الآخرة، فهو كما قال صلى الله عليه وسلم :« والصبر ضياء» وللصبر أنواع، فصبر عن المعاصي، وصبر على الطاعة، وصبر عند الشدائد، وقد قال الله تعالى آمرا بالصبر على الطاعات:( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) والصلاة فريضة متكررة تحتاج إلى صبر وجهد, قال تعالى:( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)

وقد قيل : الصبر عن معصية الله أهون من الصبر على عذاب الله. فطوبى لمن اجتهد فيما أمره الله تعالى، واجتنب ما نهاه عنه، وآثر الآخرة على الدنيا، ونهى النفس عن الهوى، وأمسك عن الشهوات، وقهر النفس بترك الزلات والسيئات، فيكون متصفا بالصبر عن معاصي الله تعالى.

عباد الله: وأما الصبر على البلاء والابتلاء، فالسعيد من اغتنم الحكمة من الابتلاء فصبر، قال تعالى:( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) وليس ذلك إلا لمن آمن بربه، ورضي بما قدر له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» ولذا كان الجزاء لمن صبر على ما أصابه المغفرة من الله والرحمة، قال تعالى:( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)

قال أحد الصالحين: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها, وأحمد إذ رزقني الصبر عليها, وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني.

فاللهم ارزقنا الصبر وجملنا به، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، قال الله تعالى:( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم* وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة . فهذه الأخلاق العالية التي أشارت إليها الآية الكريمة تحتاج إلى صبر، لأنه سبب للنجاح والخير في شتى مجالات الحياة، فهو يحول بين الإنسان وبين الغضب، وبه يستطيع أن يسيطر على تصرفاته وتعامله مع من حوله، وهو مطلب ضروري للحياة يجمل بنا أن نتحلى به، فبدونه يحل الغضب والانفعال، وقد قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم : أوصني . قال:«لا تغضب ». فردد مرارا ، قال :« لا تغضب ».

فهناك علاقة قوية بين عدم الغضب والصبر، فالصبر يؤدي إلى الأخلاق العالية، والمعاملة الراقية، ومن لزم الصبر في حياته أجر، وأحسن إلى آخرته، قال تعالى:( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم :« لا يرد القضاء إلا الدعاء ».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)