الطيب من القول

تاريخ النشر: 28-05-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، خلقنا في أحسن تقويم، وصورنا في أجمل صورة، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، نحمده سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أمرنا بطيب الكلام، وحفظ الجوارح واللسان، ووعدنا على ذلك بالجنان، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، قال الله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)

أيها المسلمون: لقد أكرم الله تعالى الإنسان بالقرآن، وامتن عليه بنعمة الإفصاح والبيان، قال تعالى:( الرحمن* علم القرآن* خلق الإنسان* علمه البيان) وأنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحسن الحديث، قال سبحانه:( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) فقد وصف الله سبحانه كتابه بأحسن الحديث؛ لما للحديث الطيب من أثر في ترقيق القلوب، وتهذيب النفوس، ومن صلحت سريرته طاب لسانه بحسن القول وجميل الحديث، وهدي إلى الطريق المستقيم، قال تعالى:( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد)

والقول الطيب السديد سبب لصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، قال الله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) قال المفسرون: والقول السديد هو الذي يوافق ظاهره باطنه. وما أريد به وجه الله دون غيره، والصلح بين المتشاجرين.

وقد أوصى الله تعالى عباده بحسن القول، فقال تبارك اسمه:( وقولوا للناس حسنا) بل أمرهم أن يتخيروا من ألفاظهم ما هو أجمل وأتم، فقال عز وجل:( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) فالكلام الجميل وسيلة من وسائل جمع القلوب ودفع الضغائن، قال تعالى:( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة القول وأثره في الناس فقال صلى الله عليه وسلم :« من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».

عباد الله: إن المجالس مدارس، والرجال إنما يوزنون بما يصدر عنهم من كلام، ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حسن الكلام وجميل العبارة في التخاطب مع الناس، ومن اللطف في الحديث مع الناس الاقتصاد في القول، ويتأكد ذلك في حضرة الكبار وأهل الوقار ولمن هو أعلى مقاما، وأرفع قدرا، وأغزر علما، وأكبر سنا، وأعظم فضلا، فمن اقتصد في كلامه وأعرض عن اللغو فاز بالفلاح، قال تعالى:( قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون* والذين هم عن اللغو معرضون) فطول الكلام مظنة للعثرات، والوقوع في الزلات، ومن غفل عن ذكر الله في كلامه زهد الناس فيه، وأعرضوا عن حديثه، فخير الكلام ما قل ودل، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي».

أيها المسلمون: مجالس العقلاء لا يتكلم فيها بالتناجي، ولا يستخدم الهاتف والناس في إصغاء، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خاطبه شخص أقبل عليه بوجهه حتى لكأنه لا يريد غيره. وقد جاءه الوليد بن المغيرة يريد مجادلته، فسمع له، فلما انتهى من كلامه قال له صلى الله عليه وسلم في أدب جم:" أفرغت يا أبا الوليد؟ فكناه احتراما، وانتظره حتى فرغ تماما من كلامه، وهذا يعلمنا أن الحديث والحوار يكون مناوبة لا مناهبة.

ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التمهل في الكلام والتأني في الحديث من فنون الخطاب وحسن الدراية حتى يفهم المستمع المراد من الحديث، ويعقل مقصوده ومغزاه، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم. وقالت: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه. وقالت أيضا: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من سمعه.

وإنه لمن حسن عقل المتحدث اختيار ما يناسب الناس من أحاديث تنفعهم ولا تضرهم، واجتناب ما يدخل الريبة إلى نفوسهم، والجاهل من استفز الناس بكلام لا يعقلون معانيه، ولا يعرفون مغازيه، قال على رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.

عباد الله: قال الله تعالى:( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) وقال سبحانه:( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) والمسلم الحق من صان لسانه من العبث ووقى الناس من أذاه، وتجنب الخوض في أحاديث لا يعلمها، أو لا يتأكد من صحتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». والكلام عبادة: فهو إما لك أو عليك، قال الله تعالى:( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الكلمة الطيبة صدقة».

بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الكلمة الطيبة وقاية من النار فقال:« اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».

ومن أراد السلامة اختار من طيب القول ما يرجو النجاة فيه، فيخاطب والديه بأعذب الكلمات، ويختار لهم أجمل الصفات، قال تعالى:( وقل لهما قولا كريما) وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه مع صدوده فيقول له مترفقا:( يا أبت)

وعلى الأزواج إتقان الأحاديث التي تنمي وشائج المحبة والمودة بينهما، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي زوجاته بما يحببن سماعه فيقول لعائشة رضي الله عنها :« يا عائش».

اللهم وفقنا دوما للعمل بما تحبه وترضاه، ووفقنا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى واعلموا أن ديننا الحنيف أمرنا بالقول الطيب مع الناس كافة، فينبغي استعمال الكلمة الطيبة والعبارة اللطيفة معهم، قال تعالى:( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء* تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) وغض الصوت عند مخاطبتهم، كما قال لقمان لابنه:( واغضض من صوتك) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن من أحبكم إلى وأقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلى وأبعدكم منى مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال:« المتكبرون».

وما يتبع القول الطيب مراعاة مشاعر الآخرين، وحسن الاستماع لهم، والإصغاء لحديثهم، وعدم مقاطعتهم، وترك إحراجهم، أو الاستخفاف بمعلوماتهم، أو المسارعة لمخالفتهم، فإن حفظ ود الآخرين أولى من خسارتهم بشيء مهين.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)