الإسراء والمعراج

تاريخ النشر: 21-05-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                          الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، سبحانه يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أيده الله تعالى بالآيات الساطعة، والمعجزات الباهرة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، قال الله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)

أيها المسلمون: لقد أكرم الله تعالى الإنسان بالعقل وكلفه بالعمل، وبعث إليه الأنبياء والرسل، قال عز وجل:( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير) وقد حبا الله تعالى أنبياءه ورسله بعظيم المنن والإنعام، وجزيل التشريف والإكرام، ليقوموا بمهمة البلاغ والبيان، قال تعالى:( فهل على الرسل إلا البلاغ المبين)

وقد أيد الله تعالى أنبياءه ورسله بالمعجزات، وأجرى على أيديهم الآيات، ليعظم البرهان ولتقوم الحجة على صدق الرسل وكمال النبوة، وقد خص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بمعجزة ربانية لم ينل شرفها قبله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فبعد مضي اثنتي عشرة سنة على بعثته صلى الله عليه وسلم وبعدما رأى من قومه التكذيب والعناد، والتسفيه والإعراض دعا ربه قائلا :( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك، لك العقبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك) فاستجاب الله تعالى لدعائه وسرى عنه فدعاه إليه في رحلتي الإسراء والمعراج، قال تعالى:( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)

فجمع الله تعالى له الأنبياء في المسجد الأقصى، وتقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إماما فختم به الله تعالى الرسالات، وأتم به النبوات، ثم بعد ذلك عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليحظى بلقاء ربه، ويتلقى من الهدي ما ترقى به أمته إلى يوم القيامة، ولقد كان من أرجى ما تلقاه من المولى عز وجل أن فرض الله تعالى عليه الصلاة، وكانت خمسين صلاة، فخففت إلى خمس صلوات، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :« فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة».

فصارت الصلاة المعراج الذي يتشرف به المؤمن لميقات ربه في السراء والضراء، ولذلك قيل: الصلاة معراج المؤمن، فالمسلم تعرج له في كل يوم خمس صلوات يناجي فيها ربه فيسبحه ويمجده، ومصداق ذلك قول الله تعالى:« قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: أثنى على عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». فاغتنموا عباد الله نعمة الصلاة في معراجكم إلى ربكم وأحسنوا صلواتكم، فتدبروا ما تقولون، وراعوا أركانها وخشوعها، فالفائز من كان مع ربه في صلاته، قال الله عز وجل:( قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون)

أيها المؤمنون: وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة عرج به الجنة ومشاهد من نعيم أهلها، ورأى النار ومشاهد من بؤس حال أهلها، فرأى في الجنة جزاء المتنفلين، من عباد الله الصالحين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليلة أسرى بنبى الله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة فسمع من جانبها وجسا قال:« يا جبريل ما هذا؟». قال: هذا بلال المؤذن. وحينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال:« يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدى في الجنة» قال بلال: ما عملت عملا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلى. فيا فوز من تطوع لله تعالى، وشغل وقته بذكر ربه جل وعلا.

ورأى صلى الله عليه وسلم في ليلته تلك قوما يعذبون لخوضهم في أعراض غيرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم»

فعلى المؤمن أن يجتنب الغيبة والبهتان، ويبتعد عنهما امتثالا لأمر الرحمن، حيث قال:( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)

عباد الله: ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من رحلته المباركة حدث أهل مكة بشأنها, فطفق المشركون يضحكون ويسخرون ويكذبون, وقال بعضهم: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلملما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي». فقعد معتزلا حزينا فمر أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شىء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« نعم». قال: ما هو؟ قال:« إنه أسري بي الليلة». قال: إلى أين؟ قال« إلى بيت المقدس». قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا. قال:« نعم». قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمنعم». فقال: هيا يا معشر بني كعب بن لؤي حتى انتفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما... فحدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا، قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمفذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس على بعض النعت فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال أو عقيل فنعته وأنا أنظر إليه». فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب. وكان ذلك تأييدا من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حينما كذبه المشركون. وقد زاد هذا الحدث من إيمان المؤمنين، وتصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دون أي شك أو ارتياب. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مؤمنا بالغيب، مصدقا لكلمات ربه، راسخا في إيمانه، ثابتا في يقينه، فاللهم ارزقنا الثبات على الإيمان والاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ووفقنا دوما لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى واعلموا أن رحلة الإسراء والمعراج جاءت تكريما للنبي صلى الله عليه وسلم وتتويجا لجهده وصبره، وتثبيتا لقلبه، ومواساة له في حزنه على وفاة عمه وزوجه, وجبرا لخاطره، ورفعا لشأنه، فكل إنسان في هذه الدنيا معرض للإصابة بالمحن والابتلاءات، والشدائد والملمات، قال تعالى:( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) فعلى المؤمن أن يتحلى بالصبر في حياته، والجد في تحقيق مراده، فإذا أخذت يا عبد الله بالأسباب ولم تفتح لك الأبواب فالجأ إلى الله تعالى ليرفع عنك الضيق، ويفتح لك أبواب القبول والفرج والتوفيق، قال صلى الله عليه وسلم اعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» وأبشر يا من صبرت على ما أصابك، بفرج من الله تعالى وجنته، والظفر برحمته، قال عز من قائل:( وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)