رعاية المسنين

تاريخ النشر: 30-04-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                         الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان ضعيفا، وكان به رحيما لطيفا، وشمله بعفوه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، الرحيم بالضعفاء إكراما وإجلالا، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، قال عز وجل :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)

أيها المسلمون: لقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان أطوارا، وأغدق عليه من الخيرات مدرارا، فجعله يتقلب في النعم عشية وإبكارا، منذ طفولته إلى أن يصير شيخا كبيرا، قال الله تعالى:( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) أي ينتقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظاما ثم يكسى لحما، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه واهن القوى، ثم يشب قليلا قليلا حتى يكون صغيرا، ثم حدثا، ثم مراهقا، ثم شابا، وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل، ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فيضعف عند كبره بدنه، ويهن عظمه، ويشيب رأسه، وتنتابه الأسقام، وتغشاه الآلام، فيكون عندها في أمس الحاجة إلى الرعاية والحنان والعناية والإحسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»

عباد الله: إن إجلال الكبير وتوقيره، وقضاء حوائجه وتسهيل أموره سنة من سنن الأنبياء، وشيمة من شيم الصالحين الأوفياء، قال تعالى على لسان ابنتي شعيب عليه السلام:( قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، فسقى لهما موسى عليه السلام لما علم أن أباهما شعيبا شيخ كبير.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في إكرام ذي الشيبة، ولا عجب فهو الرحمة المهداة للعالمين، ومعدن الرفق والشفقة للناس أجمعين، فعن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه». وفي رواية: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه. قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه. قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له :« أسلم». فأسلم.

ومن مشكاة النبوة ومصباح الصحبة استنارت قلوب الصحابة الكرام بالرحمة، وتعلموا منه صلى الله عليه وسلم الأخلاق الرفيعة، فخدموا المسن بأنفسهم تقديرا وإجلالا، وتعظيما واحتراما، فعن أبي سلمة: أن ابن عباس رضي الله عنهما أخذ بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه- وكان زيد شيخا كبيرا- فقال له زيد: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: إنا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا. فارحموا يا عباد الله كبار السن وقدروهم، ووقروا شيبتهم وأجلوهم؛ فإن ذلك من أعظم الأخلاق وأفضلها، وأجل المكارم وأهمها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاء شيخ يريد النبى صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبى صلى الله عليه وسلم :« ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا».

فإذا رأيت يا عبد الله المسن الكبير وقد أثرت فيه السنون والأعوام، وأرهقته الأمراض والأسقام، فارحم ضعفه، وأجل شيبته, وقدر منزلته وارفع درجته, وفرج كربته، والزم عنايته يعظم الله تعالى لك الثواب, ويجزل لك به الحسنى في المعاش والمآب، قال صلى الله عليه وسلم :« ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه»

أيها المسلمون: وإن الإحسان إلى المسنين ليتأكد في حق الوالدين، قال الله تعالى:( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) فقد خص الله تعالى حالة الكبر بالذكر لأنها الحالة التي يحتاج فيها الوالدان إلى بر ابنهما لتغير الحال عليهما من ضعف وكبر وقلة حيلة، فألزم الله تعالى الابن إلزاما شديدا في هذه الحالة بمراعاة حالهما فقال سبحانه:( وقضى ربك) أي حكم وأمر، وذلك لأنهما في هذه الحالة قد صارا يحتاجان منه الرعاية مثلما رعياه في الصغر وقد أشارت الآية الكريمة إلى المكان الطبيعي الذي ينبغي أن يكرم فيه المسنون، وذلك في قوله عز وجل:( إما يبلغن عندك) أي عند الأبناء، فيا من أكرمه الله تعالى بوجود والديه أحدهما أو كليهما، انظر إلى أبيك ذلك المسن وقد احدودب ظهره ورق عظمه، كلما رآك غلبه دمعه فرحة بك وتحننا إليك، وانظر إلى أمك تلك المسنة الرءوم التي حملتك وهنا على وهن وأنت في هذه السن ترقبك ببصرها وتضعك نصب عينيها وأنت في كامل قواك، فكيف بك إذا سولت لك نفسك إهمالهما أو التضجر من حالهما أو استثقال وجودهما، فاحرص يا عبد الله على رعاية والديك بنفسك، وقضاء حوائجهما دون غيرك، كن خادما لهما كما كانا لك، وقدم حوائجهما على حوائجك، فإنهما بابان من أبواب الجنة لك، وسبيل الفلاح والنجاح في جميع شؤونك وأمورك.

أيها المسلمون: إن مظاهر رعاية ذي الشيبة متعددة متنوعة، ومن ذلك تفقد أحوالهم، والحديث معهم، واستجلاب تجاربهم، والاستماع إلى قصصهم وأخبارهم، والقيام بخدمتهم حال القدرة على ذلك، أو توفير من يقوم بخدمتهم والقيام بشؤونهم ممن عرف عنهم حسن السيرة والصلاح والأمانة والرفق، فالمسن بحاجة إلى العطف والحنان والكلمة الطيبة، كما أن مشاورة المسن في بعض الأمور ومشاركته في تربية أحفاده تشعره بأهمية  دوره في المجتمع، واعتباره السراج الذي يضيء جنبات الأسرة، وكل هذا من التوقير للكبير والإجلال له، والاعتراف بدوره.

ومن الرعاية بالمسنين الإنفاق عليهم وعدم اضطرارهم لطلب الأموال أو المن عليهم بها، فقد كانوا ينفقون عليك في صغرك دون طلب منك.

ومن مظاهر العناية بكبار السن أيضا؛ توفير الرعاية الصحية لهم، والعمل على راحتهم، وتوفير الجو الملائم لحالهم، وتقديم العلاج إليهم، وبفضل الله تبارك وتعالى ترعى الدولة وقيادتها الرشيدة كبار السن وتعتني بشؤونهم، حيث تبذل جهودا مشكورة لرعاية المسنين والاعتناء بهم، والإنفاق عليهم وعلاجهم، ورد الجميل إليهم، ورفع قدرهم، وإجلال مكانتهم. فاللهم اجعلنا بارين بآبائنا، موقرين لكبارنا، مؤدين لحقوقهم، قائمين على خدمتهم ورعايتهم، ووفقنا دوما لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

ذكرى توحيد القوات المسلحة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن خير الأعمال خدمة الوطن والدفاع عنه، وحماية أراضيه ومواطنيه، والولاء لحكامه وقيادته الرشيدة، التي اهتدت إلى توحيد القوات المسلحة، والتي نعيش ذكرى توحيدها في هذه الأيام المباركة، فهنيئا لرجال قواتنا المسلحة بما أعده الله تعالى لهم من نعيم مقيم، مع أوليائه وأنبيائه وعباده الصالحين، وقد بشر الله تعالى حراس الأرض والعرض بالبعد عن النار، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله"

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)