العمل التطوعي

تاريخ النشر: 23-04-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، شكر عباده المتطوعين، فقال في كتابه الكريم:( ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) نحمده سبحانه أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وما أنفق عبد شيئا إلا أخلفه، وهو خير الرازقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ذو فضل على العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، بشر أهل البذل والمعروف بفضل من ربنا الكريم الرؤوف، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، قال عز وجل :( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب)

أيها المسلمون: إن من عباد الله تعالى مفاتيح للخير وهبهم الله تعالى الخير فاغتنموه في الطاعات، وحباهم بالصحة فسخروها في الصالحات، يركعون لربهم ويسجدون، وفي الخير يتنافسون، قال تعالى:( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) فالله عزت قدرته، وجلت حكمته، قد خلق الإنسان وكلفه، واستعمره في الأرض واستخلفه، وأمره ببذل المعروف والإحسان إلى الآخرين، وجعل ذلك من خير ما يتقرب به إلى رب العالمين، وسببا لفلاحه في الدارين، فقال تعالى في محكم كتابه المبين:(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) قال العلماء: وهذه الآية عامة في أنواع الخيرات، ومنها الشفقة على خلق الله تعالى ومواساة الفقراء وأهل الحاجة، والصدقة وحسن القول.

فالتطوع بفعل الخير للناس يكون بمد يد العون لهم، وبذل المعروف في تلبية حاجاتهم، ودفع الأذى عنهم، وتخفيف المعاناة عن مصابهم، سواء أكان ذلك ماديا أم معنويا ابتغاء مرضاة ربهم، قال تعالى:( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) أي: نطعمكم رجاء ثواب الله ورغبة في مرضاته، ولهذا لم يطلبوا جزاء ما صنعوا من أحد، فعلم الله ما في قلوبهم وأثنى عليهم.

عباد الله: إن التطوع عمل إنساني، يبذل للناس كافة، فخير الناس أنفعهم للناس، وهو من هدي الأنبياء والأصفياء، فهذا نبينا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام عندما رجع إلى خديجة رضي الله عنها بعد أن جاءه جبريل عليه السلام وهو فى غار حراء، فقال لها:« لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة رضي الله عنها: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وتحمل الكل :أي تنفق على الضعيف واليتيم وغيرهما، وتكسب المعدوم أي تتبرع لغيرك بالمال.

وهذا سيدنا موسى عليه السلام يتطوع بسقاية أغنام ابنتي شعيب عليه السلام لما رأى ضعفهما، وقلة حيلتهما، قال الله سبحانه وتعالى واصفا حاله معهما:( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير* فسقى لهما) وهذا ذو القرنين يقيم سدا بين جبلين، متطوعا لا يأخذ على فعله من الناس أجرا، قال عز وجل:( قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) فأبى أن يأخذ منهم أجرا بل تطوع قائلا:( ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما) أي ساعدوني بعملكم وآلات البناء.

وقد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قيمة التطوع في الخيرات، وما فيها من المسارعة إلى الأعمال الخالدات، والبث للمسرات، والبذل للمبرات، فكانوا لكل خير سابقين، وعلى المكارم والمحامد حائزين، فهذا سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه تطوع بعزيز وقته وجهده، فكان لغيره عونا، وفي الخيرات سابقا، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من أصبح منكم اليوم صائما؟». قال أبو بكر رضى الله عنه: أنا. قال:« فمن تبع منكم اليوم جنازة؟». قال أبو بكر رضى الله عنه: أنا. قال:« فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟». قال أبو بكر رضى الله عنه: أنا. قال:« فمن عاد منكم اليوم مريضا؟». قال أبو بكر رضى الله عنه: أنا . فقال صلى الله عليه وسلم:« ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».

أيها المسلمون: لقد علمنا ديننا الحنيف أن أبواب العمل التطوعي كثيرة، كما أن أعماله مختلفة جليلة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« على كل مسلم صدقة». فقالوا: يا نبى الله فمن لم يجد؟ قال:« يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق». قالوا: فإن لم يجد؟ قال:« يعين ذا الحاجة الملهوف». قالوا: فإن لم يجد. قال:« فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر فإنها له صدقة». فما من شيء يفعله المرء أو يقوله من أعمال الخير والبر تطوعا لله تعالى إلا وكتب الله له به صدقة، وكان له يوم القيامة قربة ورفعة، قال تعالى:( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون)

عباد الله: إن العمل التطوعي يجعل المجتمع مترابطا متلاحما، متوادا متراحما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فمتى شعر الفقير المحتاج، والمسكين المعدم، واليتيم الحزين، والأرملة الضعيفة بأنهم يعيشون في مجتمع متماسك البنيان، قوي الأركان، التكافل شعاره، والتطوع عمل يقدم عليه كل فرد فيه، انبعث حبهم لأبناء مجتمعهم، وحمدوهم على حسن صنيعهم، وجميل معروفهم، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال:« تلك عاجل بشرى المؤمن» واعلموا أن العمل التطوعي يتأكد في الأحوال غير العادية الطارئة والنوازل المفاجئة، فتتدخل يد التطوع والعطاء الحانية؛ تبسط الأمل، وتنشر الرحمة وتكشف الغمة، وتزيح الكرب، وتنفس على الملهوف، وتبذل المعروف، فتنعكس خيرا وبركة على البشرية جمعاء، فينتفع بها القاصي والداني، ويشعر المعطي من ماله، والمتطوع بفكره وجهده براحة في النفس عظيمة، وطمأنينة في البال عجيبة، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، والجزاء من جنس العمل، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول :« من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

فاللهم أوصلنا بالخير، وأوصل الخير بنا، وزدنا من فضلك، إنك أنت الجواد الكريم، ووفقنا دوما لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

 نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن العمل التطوعي من الركائز الأساسية في بناء المجتمعات، وهو مظهر من مظاهر تقدمها، ويعكس مدى مشاركة أبناء المجتمع في بناء منظومة التكافل الاجتماعي، ولقد ترجمت دولة الإمارات العربية المتحدة حرسها الله تلك المعاني النبيلة والقيم السامية الأصيلة، فكانت عونا لكل منكوب، وغوثا لكل مكروب، فصارت دولتنا حكومة وشعبا رمزا للخير، فأنى اتجهت إلى بلد من بلدان العالم رأيت لدولتنا بصمة للخير فيه، ولمسة إنسانية رسخت في أذهان ذويه بتطوع أناس من هذا الوطن لخدمة الغير، فنالت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عالميا في الإغاثات الإنسانية. فعلى أبناء هذا الوطن أن يشاركوا في العمل الإنساني التطوعي عبر مؤسساته الرسمية وهيئاته الحكومية الموثوقة كهيئة الهلال الأحمر الإماراتي وغيرها، ليستثمروا فيه أوقات فراغهم، ويكسبوا محبة الناس واحترامهم, ويزيدوا من وحدة مجتمعهم، ويعمقوا التآلف فيما بينهم، ويواصلوا مسيرة عطاء آبائهم، مترجمين في ذلك مشاعر الولاء والانتماء لوطنهم، متنافسين في فعل الخير إخلاصا لربهم، قال  الله تعالى:( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين. اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)