صلة الأرحام

تاريخ النشر: 08-04-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

   الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وسعت رحمته الخلائق أجمعين، نحمده سبحانه على واسع رحمته، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خاتم النبيين، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، فأعطى للرحم مكانتها، وبشر بالجنات من وصلها، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، فاتقوا الله ربكم، وتراحموا فيما بينكم، وتأملوا قول بارئكم:( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا).

أيها المسلمون: خلق الله تعالى البشر، وجعلهم أنسابا وأصهارا، وقبائل وشعوبا، ليتعارفوا ويتآلفوا، قال تعالى:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) وإن التعارف بين الناس يهدف إلى التعايش والتواصل، والتآزر والتكامل، فيصل بعضهم بعضا بالمودة والرحمة، والعطف والشفقة، ويتحقق فيما بينهم التآلف والتراحم، والتماسك والتلاحم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى).

وقد حثنا ديننا الحنيف على تحقيق تماسكنا، وتآلف قلوبنا، بصلة أرحامنا، فجعل صلة الأرحام من علامات الإيمان وأخلاق الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)

ولقد عظم الله تبارك وتعالى شأن الرحم ووعد بصلة من وصلها، وتوعد بقطيعة من قطعها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب. قال: فهو لك)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار. قال:« تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك». فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن تمسك بما أمر به دخل الجنة»

عباد الله: اعلموا أن ثواب صلتكم لأرحامكم، يعجله الله تعالى لكم في دنياكم، فضلا عما يدخره لكم في آخرتكم، لأنها من خير الطاعات، وأفضل القربات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما من شيء أطيع الله فيه بأعجل ثوابا من صلة الرحم»

فصلة الرحم سبب في البركة في الأعمار، والحياة الطيبة في الديار، والسعة في الرزق والمال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه) بل إن صلة الأرحام تعمق المحبة في الروابط الأسرية، وتحقق التكافل في العلاقات الاجتماعية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر)

وفي الحديث الشريف حض على تعلم أسماء الآباء والأجداد، والأعمام والأخوال، وسائر الأقارب من ذوي الأرحام، بقصد حسن الصلة لهم، والتقرب لديهم، والشفقة عليهم، والإحسان إليهم.

أيها المسلمون: إن صلة الأرحام يحققها المسلم بأعمال البر والإحسان، ومنها: دوام زيارتهم، وتلبية دعوتهم، وبذل المعروف لهم، ورد الأذى عنهم، وعيادة مريضهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم، وتفقد محتاجيهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، والتغاضي عن هفواتهم، والعفو عن مسيئهم، وأداء حقوقهم، وبذل المال لفقيرهم، قال الله تعالى:( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الصدقة على المسكين صدقة، وهى على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة». أجل إنها صدقة وصلة لأنها للأقارب، والأقربون أولى بالمعروف.

ولما نزل قوله تعالى:( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيه وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

وقد أورد العلماء هذا الحديث في فضل النفقة على ذوي القربى. قال الإمام الشعبي رحمه الله: ما مات ذو قرابة لي، وعليه دين؛ إلا وقضيت عنه دينه.

فحافظ يا عبد الله على صلة رحمك وإن أدبرت، وعلى القيام بحقها وإن قطعت ليعظم أجرك، ويصفو قلبك، ويعلو مقامك، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: وذكر منها: وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت.

وإن الله تبارك وتعالى قد حذرنا من قطيعة الأرحام، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الذنوب والآثام، ورتب على قطع الرحم عقوبة دنيوية عاجلة، وعاقبة أخروية آجلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا - مع ما يدخر له في الآخرة - مثل البغى وقطيعة الرحم» وقال صلى الله عليه وسلم :« الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»

فصلوا أرحامكم أيها المسلمون كما أمركم ربكم، وتفقدوا أحوالهم، وتعاهدوهم بالزيارات، ولا تنسوهم في المناسبات، وأحسنوا إليهم ليرضى عنكم رب الأرض والسموات.

فاللهم اجعلنا من الواصلين أرحامنا، المحسنين لقرابتنا، المقتدين بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ووفقنا دوما لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن الدعاء إلى السماء مرفوع، وعند الرحمن مقبول؛ إذا خلا من الاستعجال والإثم وقطيعة الرحم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل». قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال:« يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء»

وقال صلى الله عليه وسلم :« إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم»

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)