وأوفوا بالعهد

تاريخ النشر: 11-02-2014

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الواحد الأحد، الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالوفاء له بأن يعبد ولا يجحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله النبي الوفي الأجود، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته، يقول الله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون).

أيها المؤمنون: لقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان بقدرته، وامتن عليه بنعمته، وأرسل إليه أنبياءه ورسله، ليبينوا للإنسان شرائع دينه، ويهدوه إلى أشرف القيم النبيلة، والأخلاق السامية الجليلة، ليعبد الله تعالى على بصيرة، ويحسن معاملة الخليقة، فينفع بخيره وطنه، ويعم بفضله الإنسانية، وإن من المبادئ الرفيعة التي يحتاجها الإنسان في علاقته بربه تعالى وبالبشرية، ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بالالتزام بالعقود، والوفاء بالعهود، قال الله تعالى:( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) والوفاء بالعهد: هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي، والقانون المرضي، وهو من الأخلاق الكريمة، والسجايا الشريفة، التي تدل على كمال الإيمان، وترقى بصاحبها إلى فردوس الجنان، فقد مدح الله تعالى المؤمنين، وأثنى على رعايتهم للعهد بقوله سبحانه في كتابه الكريم:( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) وقد جاء في تفسيرها بأن كل ما أمر الله تعالى به ونهى عنه فهو من العهد، فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه عز وجل، وما بين العباد بعضهم مع بعض.

عباد الله: وإن أول عهد أبرم في حياة الإنسان، هو العهد بالإيمان، الذي أخذه الله تعالى على جميع بني الإنسان، قال عز وجل:( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤكد التزامنا بعهد ربنا سبحانه، فنبرأ من المعاصي والذنوب، ونرجو المغفرة من علام الغيوب، فنقول:( اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)

أيها المسلمون: إنه عهد الله تعالى، أعلى العهود مكانة، وأقدسها ذمة، وصى به رسله، وأمر بالوفاء به في كتابه، فقال سبحانه وتعالى:( وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) وقد وصى الله تعالى الإنسان، وعهد إليه بعصيان الشيطان، وعبادة الرحمن، قال تعالى:( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين* وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) أي: اعبدوني وحدي دون كل ما سواي، وإياي فأطيعوا، فإن إخلاص عبادتي، وإفراد طاعتي، ومعصية الشيطان، هو الدين الصحيح، والطريق المستقيم.

وإن الوفاء بعهد الله تعالى أن نطيعه فيما أمر، وننتهي عما نهى عنه وزجر، ونعمل بكتابه الكريم، ونتبع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونكون من المتقين، الذين يحظون بمحبة رب العالمين، قال تعالى:( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين) وقال سبحانه وتعالى:( ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما)

عباد الله: إن من الوفاء بالعهد حسن العلاقة بين الزوجين؛ فقد جمعهما عهد عظيم، وميثاق غليظ، قال الله سبحانه:( وأخذن منكم ميثاقا غليظا)

فيا معشر الأزواج احفظوا عهد الله تعالى في زوجاتكم، فاستوصوا خيرا بهن، وأحسنوا لهن، وأكرموا عشرتهن، ولا تنسوا الفضل بينكم، وتذكروا قول الله تعالى:( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيا لأزواجه أمهات المؤمنين، فها هو يفي لأم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فكان يذكرها بعد موتها، ويكرم صديقاتها، ولما جاءته حسانة المزنية أقبل صلى الله عليه وسلم عليها وأكرمها، وتفقد حالها، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها :« إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»

أيها المسلمون: وإن من الوفاء بالعهد إنجاز الموعود، والقيام بمقتضى العقود، قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) قال الحسن البصري: يعني بذلك عقود الدين، وهي ما عقده المرء على نفسه، من بيع وشراء، وإجارة وكراء، ومناكحة وطلاق، ومزارعة ومصالحة، وتمليك وتخيير.

فالعقود هي التزامات بين الناس في المعاملات والبيوع ومواثيق العمل وغيرها، وإن الجحود بتلك المواثيق والعقود نقص في الدين، وضياع للحقوق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لا دين لمن لا عهد له». وإن من الوفاء بالعقود، الالتزام بما جاء بشروطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم :«المسلمون عند شروطهم»

فاحرص يا عبد الله إن بعت بضاعة أن تلتزم بمواصفاتها، وتفي بشروطها، وإن اشتريت سلعة أن تؤدي ثمنها في موعده، واحذر من المماطلة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« مطل الغنى ظلم»  

ويا أيها الموظف اعلم أن التزامك بعقد عملك واجب شرعي، فعليك أن تحترم عقدك، وتحفظ عهدك، وتؤدي واجباتك بأمانة وإخلاص، طاعة لله تعالى، وخدمة للمجتمع، وبأدائك للقسم يتأكد وجوب وفائك بعهدك، قال الله سبحانه:( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا)

أي: لا تنقضوا عهودكم وعقودكم التي عاقدتموها مؤكديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضا من الدنيا قليلا، فما عندكم وإن كثر فان، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه باق غير فان قال تعالى:( ما عندكم ينفد وما عند الله باق).

فاللهم إنا نسألك أن تجعلنا لأماناتنا وعهودنا راعين، وبكتابك من العاملين، وبسنة نبيك من المهتدين، ووفقنا دوما لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

 نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق تقواه، واعلموا أن الله تبارك وتعالى قد عهد إلينا في كتابه، وأوصانا في محكم تنزيله بالتزام العهد والمحافظة عليه، ومن هذه العهود التي يجب علينا الوفاء بها ما في الذمة من حق للوطن والقيادة، فيا فوز من وفى بعهد الله تعالى وكان مخلصا لقيادته ووطنه، وحافظ على منجزاته، وصان مكتسباته، ودافع عن حياضه، وبذل الغالي والرخيص من أجله، وساهم في ترسيخ استقراره ووحدته، وعزز من تلاحمه، وحرص على قيمه الإسلامية وعقيدته الصافية، فذلك هو ما يرضي الله تعالى، ومن أخل به أو خالفه كان لله تعالى عاصيا، ولوطنه خائنا، ولعهده ناكثا، ولذمته غادرا، واستحق على غدره العذاب الأليم، والإثم الجسيم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :« أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم إنا عبيدك أبناء عبيدك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعلنا من الموفين بعهودهم، الراعين لأماناتهم.

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)