التعوذ من الهم

تاريخ النشر: 11-12-2013

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

     لتحميل درس الأردو بصيغة ملف (PDF)

                               الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، نحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا، جعل سبحانه لمن اتقاه من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، فقد أفلح من جعل التقوى همه، ولازمها في جميع أمره، فإنها في الضيق سعة، وفي المرض عافية، قال عز وجل:( ومن يتق الله يجعل له مخرجا* ويرزقه من حيث لا يحتسب).

أيها المؤمنون: إن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا لا تدوم على حال، ومصيرها إلى الفناء والزوال، تفنى همومها ومسراتها، ويزول بؤسها ونعيمها، والعاقل من اغتنم أيامه فيها بطاعة الله تعالى وسعى إلى مرضاته، وعاش في الدنيا شاكرا لمولاه على كل حال، يعمل لآخرته ولا يفرط في دنياه، متوجها لربه يدعوه قائلا:( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وإذا أنعم عليه ربه بنعمة كان له حامدا شاكرا، وإذا ضاق عليه أمر وتكالبت على قلبه الهموم كان محتسبا صابرا، ساعيا لإزالة همه بكل ما يستطيع من أسباب الدنيا، معتمدا على الله عز وجل في تفريج همه، وهذا هو شأن المؤمن الذي ينظر إلى الدنيا باعتدال وتوازن، امتثالا لقول الله تعالى:( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) فإن الدنيا إن صفت لإنسان يوما كدرته يوما، وإن أضحكته حينا أبكته حينا، قال تعالى:( وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي: يتقلب الإنسان فيها بين سرور وحزن، واجتماع وفرقة، وسقم وعافية، ويسر وعسر، قال تعالى:( فإن مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا)

وعندما يغفل الإنسان عن هذه الحقيقة قد يحدث نفسه بما يخاف ويحذر، أو يقلق مما يجد ويشعر، أو يكتئب مما يعاني منه ويحزنه، ويؤذيه ويضايقه، فيتألم منه قلبه، وينشغل لبه، فيحزن على ما فات، ويعتريه الغم من الملمات،  وهذا هو الهم المذموم الذي استعاذ منه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله:( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل) فنعوذ بالله تعالى من الهموم كلها: صغيرها وكبيرها، ونسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، وينفس كرب المكروبين، إنه جواد كريم، رحمن رحيم.

عباد الله: إن على المسلم في حالة الهم والضر؛ الإنابة إلى الله تعالى والصبر، فلا يستكين للحادثات، ولا يضعف أمام الملمات، يواجهها بحزم الأقوياء، وعزيمة الأصفياء، قدوته في ذلك سيد المرسلين، وإمام الصابرين، القائل صلى الله عليه وسلم :« واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا».

فيا من أصابته الهموم، وغشيته الغموم، استعن بالله تعالى ولا تعجز، واصبر على ما أصابك، لتكثر في صحائفك الحسنات، وتزول عنك السيئات، وترتقي عند ربك في الدرجات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته)

وعليك باللجوء إلى الله تعالى بالدعاء، فإن ذلك يذهب الهموم، ويزيل الغموم، ويكشف الكروب، ويحقق المطلوب، قال تعالى:( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون)

وعليك بالأخذ بالأسباب المشروعة لإزالة همومك، والاستعانة بعد الله تعالى بمن يستطيع نفعك من الناس، فقد يفرج الله عز وجل همك على يد أحد من خلقه، ويكون سببا لذلك.

أيها المسلمون: احرصوا على مرضاة ربكم، ولا تجعلوا الدنيا أكبر همكم، واجعلوا هم الآخرة مبتغاكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة»

فالسعيد من آثر هم الآخرة الباقية، على هموم الدنيا الفانية، وجعل سعيه في دنياه زادا لآخرته، قال تعالى:( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)

فهنيئا للمؤمن الذي عرف الله تعالى وأدرك ما يريد، واطمأن للعزيز الحميد، فتحرك في الدنيا وفق أمر ربه سبحانه، فظفر بمرغوبه منها، وسلم من أذاها وهمومها، فاجعل همك يا عبد الله في كل أمرك إرضاء ربك، في خاصة شأنك وعند أهلك، في دراستك ووظيفتك، في بيعك وشرائك، في قولك وفعلك، لتنال في الدنيا مرامك، وفي الآخرة مقصودك وغايتك.

عباد الله: لقد كان هم النبي صلى الله عليه وسلم تحقيق مرضاة ربه سبحانه، يبلغ رسالته للناس جميعهم، ويحرص على هدايتهم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليهم، قال تعالى:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم)

ومن رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان يحزن لعدم إيمانهم، ويضيق صدره من إعراضهم، فخاطبه ربه سبحانه بقوله:( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) أي: لعلك مهلك نفسك بحزنك عليهم، فأبلغهم رسالة الله تعالى، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وهذه تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به.

إنها هموم سامية حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بهمة عالية، فما فارق الحياة حتى بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وصنع الرجال، وحقق الآمال، وأقام العدل، ووحد المجتمع، وألف بين القلوب، وتمم مكارم الأخلاق، وصدق فيه قول ربه عز وجل:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

فاللهم اجعل همنا في رضاك، ولا تشغلنا بسواك، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم،

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن دولة الإمارت العربية المتحدة قد بنيت وتأسست وتوحدت، وكان هذا هم مؤسسيها، فغدت كما ترون واحة استقرار وسلام، يعيش فيها الجميع بكل سرور وهناء، وراحة ورخاء، ولا يزال هم قيادتنا الأول راحة المواطن والمقيم، والعمل على إسعادهم، والسهر على راحتهم، حتى جعلوا من شعب الإمارات أسعد شعب، وأكثره رفاهية، فجزى الله عنا حكامنا وولاة أمرنا خيرا على ما قدموه ويقدمونه لنا، وإن هذا ليدفعنا إلى أن نحمل هم الوفاء لقيادتنا الرشيدة ووطننا الكريم، وأن نحافظ على مكتسباته، ونعمل على بنائه وتعميره، فليحمل كل منا هما ينفع به نفسه وينفع الآخرين، وجزى الله الجميع خير الجزاء وبارك في جهودهم رجالا ونساء، قال الله تعالى:( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال  تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» وقال صلى الله عليه وسلم :« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم احفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدم عليها الأمن والأمان وعلى سائر بلاد العالمين.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه فى قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح لنا نياتنا، وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، واجعلهم قرة أعين لنا، واجعل التوفيق حليفنا، وارفع لنا درجاتنا، وزد في حسناتنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة ونائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن كان له فضل علينا.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)