الألفة بين المجتمع

تاريخ النشر: 15-10-2013

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، ألف بين قلوب المؤمنين، أحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، قال تعالى) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)

أيها المسلمون: إن الله سبحانه وتعالى عليم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يقلب قلوب عباده كيف يشاء، ويتصرف فيها بقدرته بما شاء، فيحولها من العداوة إلى المحبة، ومن النفرة إلى الألفة، وكل ذلك على وجه من العزة والحكمة، قال الله تعالى:( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) فبالتآلف الذي يهبه الله تعالى قلوب المؤمنين من عباده، يتحقق التوافق والتقارب، والتعاطف والتحابب، فيتراحم الناس فيما بينهم، وتتوحد مشاعرهم، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)

فيا لها من ألفة ترتقي بالعلاقة بين المؤمنين، وتجعلهم متعاونين متكاملين، يتمنى أحدهم الخير لغيره كما يتمناه لنفسه، ويفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة أحب أن يكون لغيره نظيرها من غير أن تزول عنه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها، فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم.

عباد الله: إن محبة الناس هدف يسعى إليه المسلم، ويتحقق له بالإيمان، فيصبح محبوبا بين الناس بحب الله تعالى له، قال تعالى:(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا)

وقد ورد في تفسيرها أن الود هو محبة الناس في الدنيا، فما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وبهذا الحب من الله تعالى للعبد، يجعله محبوبا عند أهل السماء وأهل الأرض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) أي الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه فتميل إليه القلوب وترضى عنه.

وإن المحبة بين الناس تتقوى أواصرها، ويشتد تأثيرها، إذا كانت خالصة لوجه الله تعالى، بأن يحب المرء لا يحبه إلا لله جل وعلا، فيصل أبناء مجتمعه بالزيارات، ويتفقدهم في مختلف المناسبات، ويساندهم في الملمات، فعن النبي صلى الله عليه وسلم :( أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) فهنيئا بمحبة الله لمن أحب المؤمنين في الله، محبة خالصة لوجه الله تعالى.

أيها المؤمنون: إن أفراد المجتمع إذا تعاملوا بحسن الأخلاق زادت بينهم الألفة واشتد الوفاق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا)

فصاحب الخلق الحسن يألف ويؤلف، فهو يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويحسن إلى من أساء إليه، قال تعالى :( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) واعلموا أن الألفة تزداد أثرا بين الأنام بإفشاء السلام، قال صلى الله عليه وسلم :( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)

وقد ندبنا ديننا الحنيف إلى تبادل العطايا والهدايا لتزيد المحبة، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:( تهادوا تحابوا) وحثنا صلى الله عليه وسلم على ترك الطمع فيما عند الناس حتى ننال محبتهم، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبنى الله وأحبنى الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك».

فابذلوا عباد الله أسباب الألفة لتكسبوها، وأدوا وسائل المودة لتظفروا بها، فطوبى لأناس جمعتهم المحبة، وابتعدوا عن أعمال وسلوكيات نهت عنها شريعتنا الغراء، لما لها من أثر في تحويل الألفة إلى تفكك وشحناء، والمودة إلى نفور وبغضاء، ومن ذلك السخرية والاستهزاء، قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم)

ومن صور السخرية ما يتم تناقله عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مقالب مدبرة، ومشاهد مفبركة تهزأ بالآخرين، وتشهر بخطئهم، وتنال من كرامتهم، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذه الأفعال، فقال صلى الله عليه وسلم (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له) فالحذر الحذر يا عباد الله، من نشر صور وأفلام مسيئة، وتداول أقوال وأفعال مشينة، تحتوي على ما حرمه الله تعالى، فإن الله عز وجل يقول:( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)

فاللهم أدم علينا محبتنا وألفتنا، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق تقاته، واسعوا في مرضاته، واحمدوه جل وعلا على نعمة تماسك مجتمعنا وترابط أفراده، والمحبة المتبادلة بين أبناء الشعب وحكامه، الذين يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم :( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم) أي يدعون لكم وتدعون لهم.

فاشكروا هذه النعم واحرصوا على التآلف بين قلوبكم، وتقوية الألفة في علاقاتكم، وغرس المحبة في بيوتكم، والتعامل بالمودة والرحمة في أسركم، واحذروا مما يشتت شملكم، ويبث الفرقة والفتن بينكم، فإن ذلك من طاعتكم لربكم، قال تعالى:( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

واعلموا أن الله سبحانه أمركم على الدوام، بالصلاة والسلام على سيد الأنام فقال سبحانه وتعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». وقال صلى الله عليه وسلم :« لا يرد القضاء إلا الدعاء».

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم يا من قلت وقولك الحق المبين:( ادعوني أستجب لكم) نسألك اللهم أن تحفظ دولة الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن تديم عليها الأمن والأمان، وعلى سائر بلاد المسلمين.

اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا يا أرحم الراحمين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه فى قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم اجعل التوفيق حليفنا، وارفع لنا درجاتنا، وزد في حسناتنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة ونائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن كان له فضل علينا.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)