المسؤولية الإجتماعية

تاريخ النشر: 11-11-2008

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email


 لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)                              لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

الْمَسْؤُولِيةُ الاجْتِمَاعِيَّةُ

الْخُطْبَةُ الأُولَى

الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونستهدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ القائلُ عزَّ منْ قائلٍ :]وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[([1])وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبْدُ اللهِ ورسولُهُ القائلُ صلى الله عليه وسلم:« خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ »([2]) اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى سيدِنَا محمدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وأَصْحابِهِ أجمعينَ ، والتَّابعينَ لَهُمْ بإحسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .

أمَّا بعدُ : فأوصيكُمْ عبادَ اللهِ ونفْسِي بتقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قالَ تعالَى :] وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ

وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ[([3]).

أيُّها المسلمونَ: إنَّ المسؤوليةَ الاجتماعيةَ أمانةٌ عظيمةٌ ، قدْ كُلِّفَ كلُّ فردٍ فِي المجتمعِ بحملِهَا والقيامِ بِهَا تجاهَ ربِّهِ وأهلِ بيتِهِ ومجتمعِهِ، فعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما عَنِ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ :« أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»([4]).

ومِنَ المسؤولياتِ الَّتي ينبغِي للمسلمِ أنْ يقومَ بِها علَى أكمَلِ وجْهٍ وأنْ يؤدِّيَهَا حقَّهَا المسؤوليةُ الاجتماعيةُ ، وتعنِي قيامَ كلِّ فردٍ يعيشُ فِي هذَا المجتمعِ بواجبِهِ تجاهَهُ ، وأنْ يكونَ حريصًا علَى رفعتِهِ وصلاحِهِ وتقدمهِ واستقرارِهِ ، قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم :« مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا([5]) عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ، فَقَالُوا : لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا . فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا »([6]).

عبادَ اللهِ : إنَّنا فِي مجتمعٍ واحدٍ؛ فعلَى كُلِّ فردٍ منَّا أنْ يتحمَّلَ مسؤولياتِهِ تجاهَ هذَا المجتمعِ ، وأنْ يبذلَ كلَّ مَا فِي وسعِهِ لرقيِّهِ وازدهارِهِ ، فأصحابُ الشَّركاتِ والتُّجَّارُ ، وأربابُ الأموالِ وأهلُ الاستثمارِ مطالبونَ بتحمُّلِ المسؤوليةِ الاجتماعيةِ منْ خلالِ الصِّدْقِ والأمانةِ ، فهُمَا مِنْ أعظمِ الأسبابِ فِي حفظِ المجتمعِ وكثرةِ البركةِ فيهِ ، وكذلكَ مِنْ خلالِ اجتنابِ الغشِّ والاحتكارِ وعدمِ رفْعِ الأسعارِ ، فإنَّها تؤذِي المجتمعَ ، وتؤدِّي إلَى الإضرارِ باقتصادِهِ واستقرارِهِ، وينبغِي للتجارِ - وفاءً لِمجتمعِهِمْ - المساهمةُ فِي إحياءِ المؤسساتِ الوقفيةِ والتطوعيَّةِ الَّتي تتحمَّلُ جانباً كبيراً مِنَ المسؤوليةِ الاجتماعيةِ، وقدْ رفعَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى مقامَ هؤلاءِ التُّجارِ الَّذينَ يسعَوْنَ إلَى خدمةِ مجتمعِهِمْ ، وأجزلَ لَهُمُ الأجرَ والعطاءَ ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :« التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ»([7]).

والموظفُ الَّذِي يأكلُ مِنْ خيراتِ هذَا المجتمعِ ، وينعَمُ علَى أرضِهِ بالأمنِ والأمانِ ، فمِنْ حقِّ هذَا المجتمعِ عليهِ أنْ يسعَى بكُلِّ طاقتِهِ وقُدراتِهِ لخدمتِهِ بإتقانِ العملِ والإِخلاصِ فيهِ ، قَالَ صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ »([8]).

وكذلكَ بتطويرِ نفسِهِ ، ومشاركتِهِ فِي العملِ التطوعِيِّ ، ومحافظتِهِ علَى المالِ العامِ ، وفوقَ كُلِّ هذَا بالتَّفانِي فِي الوظيفةِ والإنتاجِ ، وممَّنْ يتحمَّلُ قسطاً كبيراً مِنَ المسؤوليَّةِ الاجتماعيَّةِ المعلِّمُ الَّذِي يُساهِمُ فِي نَهضةِ المجتمعِ مِنْ خلالِ تنشئتِهِ لجيلٍ وَاعٍ متزوِّدٍ بالعلمِ والمعرفةِ مؤمنٍ بواجبِهِ تجاهَ مجتمعِهِ ، وإنَّ اللهَ تعالَى سائِلُهُ عنْ هذهِ المسؤوليةِ العظيمةِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ »([9]).

أيُّها المؤمنونَ: إنَّ التَّكافلَ الاجتماعيَّ يشَكِّلُ الأساسَ العظيمَ للمسؤوليَّةِ الاجتماعيَّةِ ، لذلكَ شرعَ هذَا الدِّينُ العظيمُ الزَّكاةَ والوقفَ والصَّدقاتِ وغيرَهَا لتحقيقِ هذَا المبدإِ ، ودَعَا إلَى مساعدةِ المحتاجينَ ، وتوفيرِ حاجاتِهِمْ وتخفيفِ معاناتِهِمْ، ومساعدةِ الأيتامِ وكفالتِهِمْ ، ورعايةِ الأراملِ والإحسانِ إليهِنَّ، قَالَ صلى الله عليه وسلم لاَ يَزَالُ اللَّهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ »([10]).

اللهمَّ اجعلنا مِمَّنْ ينفَعُ النَّاسَ ويحبُّ مجتمعَهُ ، ويتفانَى فِي خدمتِهِ.

أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُمْ فاستغفرُوهُ .


 

الخُطْبَةُ الثَّانيةُ

الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وأَشْهَدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ الطيبينَ الطاهرينَ وعلَى أصحابِهِ أجمعينَ ، والتَّابعينَ لَهُمْ بإحسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى ، واعلمُوا أنَّ الإسلامَ قدْ غرسَ فينَا روحَ الجماعةِ ، والتَّفانِيَ فِي خدمةِ المجتمعِ ، وقيامَ كلِّ واحدٍ منَّا بواجبِهِ تجاهَ مجتمعِهِ، والسعيَ إلَى تحقيقِ ازدهارِهِ ورفعتِهِ، والبعدَ عَنْ كلِّ مَا يُسببُ الأذَى والضَّررَ لأيِّ فردٍ يعيشُ علَى أرضِهِ ، فعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :« إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا »([11]) وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ .

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([12]) ويَقُولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً »([13]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، اللَّهُمَّ أعنَّا علَى القيامِِ بمسؤولياتِنَا تجاهَ مجتمعِنَا، وبارِِكْ لنَا فيمَا أَنعَمْتَ بهِ علينَا ، وَاجْعَلْنَا لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ المشاركينَ فِي كُلِّ خيرٍ ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اسقِنَا الغيثَ ولاَ تجعَلْنَا مِنَ القانطينَ ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لنَا الضَّرْعَ وَاسْقِنَا منْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْبِتْ لنَا منْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ ، اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً وزدْهُ مِنْ فضلِكَ سعةً ورخاءً ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الشَّيْخَ زَايِدَ والشَّيْخَ مَكْتُومَ وإخوانَهما شيوخَ الإماراتِ الذينَ انتقلُوا إلى رحمتِكَ ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُم مُنْزَلاً مُبَارَكًا، وأَفِضْ عَلَيْهِم مِنْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّموا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِم يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا الشَّيْخَ خليفةَ بنَ زايدٍ وَنَائِبَهُ إِلَى مَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفِّقْنَا جَمِيعًا لِلسَّيْرِ عَلَى مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَالرِّفْعَةَ لِهَذِهِ الْبِلاَدِ وَأَهْلِهَا أَجْمَعِينَ ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا ، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ.

اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.



([1]) الحج :77.

الموقع الإلكتروني للهيئة www.awqaf.gov.ae

مركز الفتوى الرسمي بالدولة باللغات (العربية ، والإنجليزية ، والأوردو) للإجابة على الأسئلة الشرعية وقسم الرد على النساء 22 24 800

([2]) الطبراني في الأوسط 6/58.

([3]) المائدة : ٢.

([4]) متفق عليه .

([5]) اسْتَهَمُوا : أي اقترعوا .

([6]) البخاري : 2493.

([7]) الترمذي : 1209 .

([8]) مسند أبي يعلى 4/253.

([9]) الترمذي تعليقا : 1705 ، وابن حبان في صحيحه 10/344.

([10]) الطبراني في الكبير 5/118 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/193 : رجاله ثقات .

([11]) البخاري: 459 مسلم : 4684.

([12]) الأحزاب :56 .

([13]) مسلم : 384.