الحلم

تاريخ النشر: 15-05-2012

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

خطبة الجمعة أردو زبان مين (Word     خطبة الجمعة أردو زبان مين (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الحليم المنان، ذي الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاة تمنحنا بها الشفاعة وتؤمننا بها عند قيام الساعة وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، قال تعالى:( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).

أيها المسلمون: الحلم شعبة من شعب الإيمان، وهو من الأخلاق الإسلامية العظيمة، والصفات الإنسانية الكريمة، وهو ضبط النفس في موطن الغضب، وكبح جماحها حتى لا تخرج عن جميل الأدب، والحلم من الصفات التي يحبها الله تعالى ورسوله، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس:« إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». وهو صفة من صفات الله تعالى، قال سبحانه:( والله غفور حليم) وقال عز وجل:( والله شكور حليم) فمن مظاهر حلم الله تعالى على عباده أنه لا يباغتهم بالعقاب بسبب تقصيرهم، بل يحلم عليهم ويمهلهم حتى يتوبوا إليه، قال تعالى:( وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب)

وقد مدح الله سبحانه نبيه إبراهيم عليه السلام لما تجسد فيه من خلق الحلم مع قومه، مع ما تعرض له من الإيذاء منهم، قال تعالى:(إن إبراهيم لحليم أواه منيب) وقد ورث نبي الله إسماعيل عليه السلام خلق الحلم من والده، ولذلك كان حليما في تلقي أمر الله تعالى، فلم يعترض بل بادر بالرضا والتسليم، قال عز وجل:( فبشرناه بغلام حليم)

عباد الله: والحلم سجية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقد امتزج بأقواله وأفعاله وأحواله، قال زيد بن سعنة في قصة إسلامه: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله. ثم إن زيد بن سعنة أقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم  قرضا، دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفقراء من المسلمين يغيثهم به، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة جاء زيد بن سعنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع قميصه وأغلظ له القول وقال: ألا تقضيني يا محمد حقي فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم. فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهم بضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة ثم قال :« إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا من غيره مكان ما رعته». فما كان من زيد بن سعنة إلا أن أسلم بسبب ما رأى من حلمه وطيب أخلاقه.

أيها المؤمنون: ويمكن للإنسان اكتساب صفة الحلم بأمور أهمها ممارسة الحلم في الحياة اليومية، وذلك بأن يضبط نفسه بالصبر على أخطاء الآخرين عند تعامله معهم، في أسرته وخارجها، فيحلم على زوجته وأولاده، وعلى إخوانه وجيرانه وزملائه، وفي عمله وأثناء قيادة السيارة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب».

ولذلك فإن ترك الغضب من الأمور التي تكسب الحلم أيضا، فالغضب قرين الشر، ويجلب العداوة والبغضاء، ويفسد المودة، ويهدم البيوت، ويعطل المصالح، بينما الحلم راحة للقلوب وسعادة للمجتمع، فقد قال رجل: يا رسول الله أوصني. قال:« لا تغضب» قال الرجل: ففكرت حين قال النبى صلى الله عليه وسلم ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.

بل إن ترك الغضب، والمبادرة بالحلم على الناس سبيل لدخول الجنة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة. قال:« لا تغضب، ولك الجنة».

ومما يساعد على اكتساب الحلم العلم بمآل الأمور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور ما شاء».

فكمال العلم في الحلم، ولين الكلام مفتاح القلوب، والمسلم يستطيع من خلاله أن يعالج أمراض النفوس وهو هادئ النفس مطمئن القلب، لا يستفزه الغضب، فالحليم حقا هو من يتسع صدره ويعذر الناس ويلتمس المبررات لأخطائهم، ويترفع عن الجهالات، أو مقابلة الخطإ بمثله، فيصبر محتسبا، ويصفح قادرا، ويأمره إيمانه بالعرف والعفو عن الجاهلين، وهذا هو المثاب في الدنيا والآخرة، والمشكور عند الله وعند خلقه، وهو الموصوف بالشدة والقوة، وكان الأحنف بن قيس رحمه الله من المعروفين بالحلم، حتى ساد عشيرته بذلك، وكان يقول: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.

اللهم ارزقنا الحلم ووفقنا لطاعتك وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)  نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المؤمنون: ولأهمية الحلم وخطورة الغضب فقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم ببعض السلوكيات التي تعزز الحلم وتطفئ الغضب ومنها: ذكر الله تعالى والتحصن به والتعوذ به من الشيطان الرجيم، فقد استب رجلان عند النبى صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم :« إنى لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ». ومما يذهب الغضب أيضا الوضوء، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر الغضبان بالوضوء؛ لأنه يطفئ الغضب كما يطفئ الماء النار وعلى الغضبان أن يتحول عن هيئته فيجلس إن كان قائما، فإن هذا أدعى إلى أن تهدأ نفسه وتسكن أعصابه.

عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته فقال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم إنا نسألك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا، وعلما نافعا، وعافية في البدن، وبركة في العمر والذرية، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، اللهم اجعل زادنا التقوى، وزدنا إيمانا ويقينا وفقها وتسليما، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، اللهم إنا نسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد ونائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن كان له فضل علينا.

اللهم اغفر لكل من وقف لك وقفا يعود نفعه على عبادك، اللهم بارك في مال كل من زكى وزده من فضلك العظيم، اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم أدم على دولة الإمارات الأمن والأمان وعلى سائر بلاد المسلمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).