الحكمة

تاريخ النشر: 13-04-2011

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)               لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

 الخطبة الأولى

الحمد لله أحكم الحاكمين، أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ، وضع كل شيء في موضعه، فتجلت حكمته، فتبارك الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صاحب الملك والملكوت، والعزة والجبروت، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، أعظم الخلق حكمة، وأرجحهم عقلا، وأحسنهم تدبيرا، قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاة دائمة كاملة بدوام وكمال ملكك وتمام أمرك وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، وأحثكم وإياي على طاعته، قال تعالى( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).

أيها المسلمون: الحكمة صفة من صفات الله تعالى، وهي منة يهبها لمن يشاء من عباده، قال سبحانه ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)

والحكمة نعمة أنعم المولى تبارك وتعالى بها على عباده فقال عز وجل( واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) وللحكمة معان عديدة في القرآن الكريم، فقد وردت بمعنى الفهم والعلم، قال سبحانه ( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) وتأتي أيضا بمعنى النبوة، قال تبارك وتعالى ( وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء)

أيها المؤمنون: إن المتأمل في السيرة النبوية العطرة يجد أنه صلى الله عليه وسلم حكيم في التعامل مع من حوله، فعندما اختلف أهل مكة فيمن يحظى بوضع الحجر الأسود في مكانه عند إعادة بناء الكعبة واحتكموا إليه أشار صلى الله عليه وسلم عليهم بوضعه في رداء وأن يمسك رجل من كل قبيلة طرفا منه، فاستحسنوا رأيه الحكيم ووافقوا عليه، فجنبهم بحكمته صلى الله عليه وسلم الخلاف والنزاع، وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم تجلت حكمته في حسن معاملته لمن حوله سواء من آمن به واستجاب لدعوته أو من خالفه ولم يؤمن به، فلقد كانت حكمته صلى الله عليه وسلم جلية مع أهل مكة وأهل الطائف، ولما استقر في المدينة وعاش فيها كان لحكمته صلى الله عليه وسلم الأثر الجلي في بناء مجتمع آمن مستقر متراحم، فقد كان صلى الله عليه وسلم في منهجه متبعا قوله تعالى( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).

فالحكمة عباد الله تمنع المرء من فعل القبيح، وتقوده إلى فعل الصحيح، وتحمله على وضع الشيء في موضعه، وتعينه على إصابة الحق في أقواله وأفعاله، وتجعل صاحبها واسع الأفق بعيد المدارك مستوعبا لكافة الظروف المحيطة من حوله، والحكمة مأخوذة من مادة حكم التي تدل على المنع، ويقال حكم له أو عليه: أي قضى له أو عليه، والحكيم العالم، والحكيم صاحب الحكمة، والحكيم المتقن للأمور، وعليه فإن الحكمة تقتضي أن لا يقول الإنسان كل ما يعرفه، فيصمت حين يكون الصمت أفضل، ويتكلم حين يكون الكلام أفضل، ومن الحكمة أن يأخذ أهل العلم والمفكرون بعين الاعتبار عند مخاطبة الناس تفاوتهم في مداركهم ومراعاة تنوع ثقافتهم في إدراك الحقائق وتصور الأمور، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

والحكمة مطلوبة بين الزوجين في معالجة ما قد يطرأ بينهما من خلافات لحلها وتجاوزها حتى تستمر المودة والرحمة بينهما، فكم كان للحكمة من أثر عظيم في حفظ البيوت واستقرارها وتماسك أفرادها، وكم كان الابتعاد عن الحكمة سببا لضياع بيوت واضطرابها وتفرق أفرادها، فالحكماء هم أهل السلامة بعد توفيق الله تعالى لهم من كل محنة وبلية، بل يتعدى نفعهم إلى غيرهم، فهم الذين يسعون في إصلاح ذات البين ونشر الخير بين أفراد المجتمع، فعم نفعهم أسرهم ومجتمعاتهم فنالوا بذلك طيب العيش والثناء بين الناس في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وإذا قلت الحكمة بين الناس وقل بينهم الحكماء اختلفوا وتفرقوا فتضررت أسرهم ومجتمعاتهم، وعاشوا في هم وغم لا يعلمه إلا الله تعالى، فما تقدمت أمم ولا تحضرت أوطان إلا بحكمة قادتها وأهلها.

عباد الله: إن الحكمة هي أساس الاستقرار والبناء والتعمير، والباعث على التقدم والازدهار للفرد والمجتمع. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا جميعا الحكمة في القول والعمل، ونسألك أن توفقنا لطاعتك وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المؤمنون: يقول النبي صلى الله عليه وسلم :« لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها».

وإن بيننا كبار السن الذين اكتسبوا الحكمة والدروس من الحياة، فليحرص الشباب على أن يتعلموا منهم الحكمة ويقتدوا بهم.

عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته فقال تعالى(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن كان له فضل علينا.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك مما سألك منه عبادك الصالحون، ونستعيذ بك مما استعاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد ونائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم أدم على دولة الإمارات الأمن والأمان وعلى سائر بلاد المسلمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)