عنوان الفتوى: فضل الدفن بالبقيع

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أريد الاستفسار عن المميزات التي يميز بها الشخص المدفون بالبقيع مع الاستعانة بالأحاديث الصحيحة الثابتة، وهل كل من يدفن بالبقيع يميز بها؟ وجزاكم الله خيراً.

نص الجواب

رقم الفتوى

9881

31-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاًعلي الخير، وبارك فيك.

واعلم رعاك الله أن الله تعالى حَبَا المدينة المنورة ـ على ساكنها الصلاة والسلام ـ بكثير من المناقب والفضائل التي ليست لغيرها من البلدان خلا مكة المكرمة شرفها الله وعظَّمها، ومن هذه الفضائل أن الله تعالى ميَّز وفضَّل سكناها، والإقامة فيها، وميَّز وفضَّل أرضها وجوَّها وتربتها ونخلها وتمرها وجبالها حتى الموت والدفن فيها، فالإيمان يأوي إلى المدينة.

وقد حرص كل من عاش في المدينة المنورة أو جاور فيها أن يدفن في هذه التربة المباركة التي صحَّ في فضلها أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع المبارك، فالدفن بِمقبرة البقيع له خصوصية ومزيد فضلٍ على غيره، ومن هذه الفضائل:

ـ شفاعة صاحب الشفاعة العظمي حضرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادته لمن يموت بالمدينة المنورة، فقد روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان والبغوي في شرح السنة، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا"، قال العلامة السندي رحمه الله في حاشيته على سنن ابن ماجه: أَيْ بِأَنْ لَا يَخْرُج مِنْهَا إِلَى أَنْ يَمُوت إِنْ مَاتَ فِي جِوَاره وَأَنَّهُ بِذَلِكَ حَقِيق بِالْإِكْرَامِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم أهـ.

ـ دعاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفاره وصلاته على أهل البقيع، فقد كان يخرج إلى البقيع ليلاً ونهاراً، ويحضر مشاهد من يتوفى من الصحابة ويسأل عندما يرى قبراً جديداً فاته أن يصلي عليه فيصلي عليه، فقد روى مسلم عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ".

وروى الإمام مالك في الموطأ عنها أيضاً قالت: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ، قَالَتْ فَأَمَرْتُ: جَارِيَتِي بَرِيرَةَ تَتْبَعُهُ فَتَبِعَتْهُ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ فَأَخْبَرَتْنِي فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ".

ـ أهل البقيع هم أول من يحشر من مقابر الأرض بعد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما روى الترمذي وحَسَّنَه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ".

ـ من مات بأحد الحرمين (حرم مكة وحرم المدينة) يبعث آمناً يوم القيامة، كما روى الطبراني في معجميه الأوسط والصغير عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مات في أحد الحرمين بعث آمنا يوم القيامة ".

ـ يبعث الله من أهل البقيع سبعون ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بلا حساب، كما أخرج ابن حبان والحاكم والطبراني ـ واللفظ له ـ عن أُمّ قَيْسٍ رضي الله عنها قالت: لَوْ رَأَيْتَنِي وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخذ بيدي في سكة من سكك المدينة، ما فيها بيت حتى انتهى إلى بقيع الغرقد، فقال لِي:يَا أُمَّ قَيْسٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:لَتَرَيِنَّ هَذِهِ الْمَقْبَرَةَ يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:وَأَنْتَ. فَقَامَ آخِرُ، فَقَالَ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ.

ـ قُرْبُ البقيع من الضريح الشريف مدفن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذا فيه من التشريف والفضل ما فيه ببركة القُرب والجوار منه صلى الله عليه وسلم.

ـ دُفِنَ في مقبرة البقيع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بناته، وزوجاته، وعماته، وأحفاده، والألوف من أصحابه الكرام من خيار المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم، ومن العلماء العاملين وأولياء الله الصالحين، والأخيار من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن القُرب من أهل الإيمان والصلاح سيما آل البيت والصحابة فيه من الخير ما فيه، فالمؤمن يدفن في التربة التي خلق منها، كما روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة عند قبر فقال: "قبر من هذا؟ "فقالوا: فلان الحبشي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه إلى تربته التي منها خلق"، وفي رواية عند الإمام أحمد في فضائل الصحابة بعد ذكر الحديث، قال أبي: يا سوار، ما أعلم لأبي بكر وعمر فضيلة أفضل من أن يكونا خلقا من التربة التي خلق منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن عساكر في تعزية المسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يدفن المؤمن في تربته التي خلق منها"، فلما دفن أبو بكر وعمر إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أنهما خلقا من تربته.

فأفادت الرواية السابقة أن المؤمن يدفن في تربته التي خلق منها، ويُبنى على هذا أن من دفن بالبقيع فإنه دفن في تربته التي خلق منها، وهي نفس التربة التي خلق منها الصحابة المقبورون في البقيع لأنها مدافنهم، يعني أنه خلق من نفس تربتهم، وفي هذا من الشرف والفضل ما فيه.

ـ مقبرة البقيع هي التي اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدَّدها كمدافن لأهل المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام، كما روى الحاكم عن أبي رافع رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتاد لأصحابه مقبرة يدفنون فيها، فكان قد طلب نواحي المدينة وأطرافها، ثم قال: "أمرت بهذا الموضع"، يعني البقيع وكان يقال: بقيع الخبخبة، وكان أكثر نباته الغرقد، وكان أول من قبر هناك عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فوضع رسول الله حجرا عند رأسه وقال: "هذا قبر فرطنا "، وكان إذا مات المهاجر بعده قيل: يا رسول الله ، أين ندفنه؟ فيقول: " عند فرطنا عثمان بن مظعون ".

نسأل الله أن يكرمنا بشفاعة حبيبه صلى الله عليه وسلم، آمين، والله أعلم.

  • والخلاصة

    صحَّ الكثير من أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع المبارك، فالدفن بِمقبرة البقيع له خصوصية ومزيد فضلٍ على غيره، كما أسلفنا، والله أعلم.