عنوان الفتوى: تقبيل الرجل لِبناته

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أفتونا في رجل يقبل بناته الصغيرة والكبيرة المتزوجة بالشفقة، هل فيه شيء؟ وهل يفرق في التقبيل بين أن يكون في الخد أو الجبهة أو الرأس أو الفم؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

9853

31-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلم رعاك الله أنه يستحب للرجل أن يُقبِّل أولاده فهذا من الرحمة والشفقة على الأولاد، وقد كان صلى الله عليه وسلم يٌقبِّل الأولاد الصغار، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يُقبِّل الحسن، ويحمله، كما روى البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ"، وكان صلى الله عليه وسلم يُكرم السيدة فاطمة ـ ابنته رضي الله عنها ـ ويقوم لها إذا دخلت عليه، ويُقبِّلها بين عينيها، ويجلسها في مجلسه صلى الله عليه وسلم.

فتقبيل الوالد لِولده دليل الشفقة، ومظهر الرحمة، وعنوان المحبة من الوالد لولده، كما روى أبو داوود والترمذي عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمتاً وَهَدْياً وَدَلا، وَقَالَ الْحَسَنُ: حَدِيثًا وَكَلَاماً وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدَّلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَا كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا، قال العلامة مُلا علي القاري رحمه الله في المرقاة:(فأخذ بيدها فقبلها أي بين عينها أو رأسها والأظهر الأول أهـ.

وروى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ...أهـ الحديث، وإبراهيم هو ابن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية، قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير:(أي وضع أنفه ووجهه على وجهه كمن يشم رائحة وهذا يدل على أن محبة الأطفال والترحم بهم سنة، قاله ابن الملك)أهـ. وكان هذا هو سمت أصحابه وهديهم وخُلقهم مع أبنائهم وبناتهم، كما دخل الصديق على ابنته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما وهي مريضة وقبل خَدَّها أي للمرحمة والمودة أو مراعاة للسنة.

والقول بجواز تقبيل الولد إنما هو بقصد الشفقة والرحمة لا بقصد اللذة في سائر جسده، وإن كان الأوفق للسنة التقبيل بين العينين، أو على الخدِّ، فقد روى البخاري وأبو داوود ـ واللفظ له ـ عَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ وَقَبَّلَ خَدَّهَا.

قال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري: (رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التي يرضاها الله ويجازى عليها، الا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس حين ذكر عند النبي أن له عشرة من الولد ما قبل منهم أحدًا: "من لا يرحم لا يرحم"، فدل أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل النبي عليه السلام أمامة ابنة أبي العاص على عنقه في الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة و في فعله عليه السلام ذلك أعظم أسوة لنا، فينبغي الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم، ويجوز تقبيل الولد الصغير في سائر جسده...وأما تقبيل كبار الولد وسائر الأهل فقد رخص في ذلك العلماء، قال أشهب: سئل مالك عن الذي يقدم من سفره فتلقاه ابنته تقبله أو أخته أو أهل بيته؟ قال: لا بأس بذلك، وهذا على وجه الرقة وليس على وجه اللذة، وقد كان عليه السلام يقبل ولده وبخاصة فاطمة، وكان أبو بكر يقبل عائشة، وقد فعل ذلك أكثر أصحاب النبي عليه السلام وذلك على وجه الرحمة) أهـ.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: (وفي جواب النبي صلى الله عليه وسلم للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل المحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشم والمعانقة أهـ).

بل بالغ بعض العلماء كالإمام النووي رحمه الله، فقال بِوجوب تقبيل الوالد لولده على خدِّه وأطرافه، وتعقبه العلامة مُلا علي القاري رحمه الله في المرقاة بأن الوجوب يتوقف على دليل واضح، حيث قال رحمه الله في مرقاة المفاتيح: (قال النووي: تقبيل الرجل خد ولده الصغير واجب وكذا غير خده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة سنة سواء كان الولد ذكراً أو أنثى وكذا قبلة ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه وأما التقبيل بالشهوة فحرام بالاتفاق، وسواء في ذلك الولد وغيره أهـ وكون تقبيل الرجل خد ولده الصغير واجبا يحتاج إلى حديث صريح أو قياس صحيح متفق عليه) أهـ.

والحاصل مما سبق: أنه يجوز بل يستحب تقبيل الولد الصغير ذكراً أو أنثى وكذا الكبير عند أكثر العلماء ، وهذه القُبلة للشفقة والرحمة لا بقصد اللذة، والله أعلم.

  • والخلاصة

    يستحب تقبيل الولد الصغير ذكراً أو أنثى وكذا الكبير عند أكثر العلماء وهذ القُبلة للشفقة والرحمة لا بقصد اللذة، والله أعلم.