عنوان الفتوى: مراتب القصد (الهواجس وحديث النفس) وهل يؤاخذ الله عليها؟

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سؤالي يا شيخ الله يسلمك - عن التفكير والهواجس إلى تأتي المسلم - وبعضها تكون خبيثة مثل (شرب خمر، زنا...إلخ) - وهو الحمد لله لا يعمل هذه الأعمال - إنما تكون تفكيراً فقط - هل يحاسب عليها المسلم؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9754

27-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنشكرك أخي السائل على سؤلك واهتمامك بأمر دينك، والاعتناء بما يجول في خاطرك، واعلم أن الله قد تجاوز عن هذه الأمة ما تحدث به نفسها ما لم يصل إلى حد توطين النفس عليها.

وقد رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله}[البقرة:284]، اشتد ذلك على أصحابِ رسولِ الله فأتَوْه ثم برَكوا على الرُكَب فقالوا: أيْ رسولَ الله كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاةُ والصومُ والحج والجهاد وقد أُنزل إليك هذه الآية ولا نُطيقُها فقال رسول الله: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمِعنا وعصَينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غُفرانَك ربنا وإليك المصير"، فقرأها القومُ فأنزل الله: {آمَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون...}، إلى قوله تعالى: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير}[البقرة:285] فمسؤولهُم الغفرانُ المعلَّق بمشيئته عز وعلا في قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء}.

ثم أنزل الله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة:286]، تهويناً للخطب عليهم ببيانِ أن المرادَ بما في أنفسهم ما عزَموا عليه من السوء خاصة لا ما يعُمُّ الخواطرَ التي لا يُستطاع الاحتراز عنها والتكليفُ إلزامُ ما فيه كُلفةٌ ومشقة، والوُسعُ ما يسَعُ الإنسانَ ولا يَضيقُ عليه أي سُنّتُه تعالى أنه لا يكلِّف نفساً من النفوس إلا ما يتَّسع فيه طَوقُها ويتيسّر عليها دون مدى الطاقةِ والمجهود فضلاً منه تعالى ورحمةً لهذه الأمة كقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}[البقرة:185].

وجاء في شرح صحيح مسلم للإمام النووي رحمه الله:( وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ"، وَفِي الْحَدِيث الْآخَر: "إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَة، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَة فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا"، وَفِي الْحَدِيث الْآخَر: "فِي الْحَسَنَة إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْف" وَفِي الْآخَر: "فِي السَّيِّئَة إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ".

فَقَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة بِقَلْبِهِ، وَوَطَّنَ نَفْسه عَلَيْهَا، أَثِمَ فِي اِعْتِقَاده وَعَزْمه، وَيُحْمَل مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَمْثَالهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُوَطِّن نَفْسه عَلَى الْمَعْصِيَة، وَإِنَّمَا مَرَّ ذَلِكَ بِفِكْرِهِ مِنْ غَيْر اِسْتِقْرَار، وَيُسَمَّى هَذَا هَمًّا وَيُفَرَّق بَيْنَ الْهَمّ وَالْعَزْم، هَذَا مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر، وَخَالَفَهُ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيث.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه: عَامَّة السَّلَف وَأَهْل الْعِلْم مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْر لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى الْمُؤَاخَذَة بِأَعْمَالِ الْقُلُوب، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الْعَزْم يُكْتَب سَيِّئَة وَلَيْسَتْ السَّيِّئَة الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلهَا وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْر خَوْف اللَّه تَعَالَى وَالْإِنَابَة .

لَكِنَّ نَفْس الْإِصْرَار وَالْعَزْم مَعْصِيَة فَتُكْتَب مَعْصِيَة فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَة ثَانِيَة، فَإِنْ تَرَكَهَا خَشْيَة لِلَّهِ تَعَالَى كُتِبَتْ حَسَنَة كَمَا فِي الْحَدِيث: " إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ" فَصَارَ تَرْكه لَهَا لِخَوْفِ اللَّه تَعَالَى وَمُجَاهَدَته نَفْسه الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ وَعِصْيَانه هَوَاهُ حَسَنَة. فَأَمَّا الْهَمّ الَّذِي لَا يُكْتَب فَهِيَ الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تُوَطَّن النَّفْس عَلَيْهَا ، وَلَا يَصْحَبهَا عَقْد وَلَا نِيَّة وَعَزْم، وَاَللَّه أَعْلَم.

  • والخلاصة

    لا يؤاخذ الله تعالى على الخواطر والهموم التي ترد على القلب ولا يصحبها عقد وعزم وأما الخواطر التي تتوطن النفس عليها ويصاحبها عقد وعزم فيحاسب الله تعالى العبد عليها نعوذ بالله من ذلك، والله أعلم.